إلا أن الاجتهاد لا يكون اجتهادا صحيحا إلا إذا كان المجتهد يمتلك من العلم والتخصص ما يؤهله لهذا الاجتهاد، ولذلك قال النووي تعليقا على هذا الحديث:"أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم، فإن أصاب فله أجران: أجر باجتهاده، وأجر بإصابته، وإن أخطأ فله أجر باجتهاده"وهذا لا يختص بالاجتهاد الديني بل وفي الاجتهاد الدنيوي كذلك.
وبما أنه لا يمكن لشخص واحد أن يمتلك المعرفة التي تؤهله للاجتهاد في كل المجالات جاء تفعيل الشورى التخصصية، فصار أهل المشورة المختصون نائبين عن السلطة أو الحاكم في الاجتهاد أو معاونين له إذا كان يمتلك العلم، فإسناد المشورة والاجتهاد للمختصين هو تنفيذ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد الأمر لأهله والذي لا تستقيم الحياة إلا به.
وكأن دور الحاكم بالأساس هو اتخاذ القرار وليس صناعة القرار، فالقرار يجب أن يصنعه مختصون خبراء عبر تراكم معرفي وبحث علمي متواصل حتى يخرج قرارا صائبا بقدر الاستطاعة، قرار اتُخذت فيه كامل الأسباب لتحصيل المصلحة العامة، ومتى تم الوصول للأصلح فلا يجوز للحاكم حينها أن يترك ذلك دون علة معتبرة بجهل أو هوى، فالشورى إذن هي نوع من الاجتهاد ولا تعني مطلقا استفتاء من لا يعلم فيما لا يعلم، كما أنها لا تعني تخطي الثوابت التي هي خارج دائرة الاجتهاد أصلا، فلا علاقة نهائيا بين الشورى وبين ما تطرحه الديمقراطية من تحكيم الجميع في كل شيء، ممتهنة قيمة العقل والتخصص، متجاهلة لفكرة البحث عن الحق وعن الأصلح، ومتخطية للثوابت، لأن المصدر الوحيد للشرعية عندها هو إرادة الأغلبية!
الثوابت في النظام السياسي في الإسلام:
إن الحياة لا تستقيم بغير ثوابت ومتغيرات، ولا تُتصور حياة الناس إذا صار كل شيء فيها نسبيا متغيرا، كما أنها لا تُتصور إذا صار كل شيء فيها مطلقا جامدا، وفي تحديد هذه الثوابت ضمانة لعدم الانحراف، فالثوابت تضمن الحد الأدنى من الاستقرار المجتمعي مهما اتسعت رقعة الاجتهاد، بل حتى وإن كانت السلطة نفسها في طور التغيير.
بل إن النظم الديمقراطية نفسها تخطت إرادة الأغلبية فيما رأوه هم ثوابت متناقضين بذلك مع قيمتهم الفلسفية العليا (حكم الشعب) ، فعلى سبيل المثال في النظم الديمقراطية الرأسمالية لا يُتصور أن تُطرح قيم الرأسمالية الكبرى كحرية السوق أو الملكية الخاصة للاستفتاء العام لأنها ثوابت عندهم لا تقبل التغيير!
ولكن مع كل هذا فهناك بُعد آخر أهم لوجود هذه الثوابت في النظام السياسي في الإسلام، هذا البُعد هو:
أن الله عز وجل خلقنا لعبادته، ولم يتركنا هملا وسدى، وكل ما في الحياة هو ابتلاء منه واختبار لمن يحسن عملا ومن يسيء، وإن إعلاء أمر الله وإنفاذ أحكامه في الشأن العام دلالة صادقة على اليقين من هذا المجتمع بشرع ربهم، كما قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)
وفيه دلالة على علو شأن الإسلام فيهم، كما أنها علامة أولى تحدد هل بالفعل النظام السياسي