البيض في سلة واحدة، لتضمن أن المسارات كلها لن تخرج عن صندوقها، ولذلك ستجدها تدعم قيم الديمقراطية وحامليها في المعارضة، في الوقت الذي تدعم فيه أيضا أنظمة الاستبداد، وبالتالي تظل بلادنا تدور في نفس الدائرة المغلقة لأن الذي يدعم السلطة أمريكا، والذي يدعم المعارضة أيضا أمريكا، وهذا بالضبط ما رأيناه عقب"ثورة"يناير!
والتقارير الاستراتيجية الأمريكية تنبه مع ذلك إلى ضرورة التوازن لئلا يصطدم المساران كما يقول تقرير راند 2007: (إن المعضلة التي تواجه السياسة الأمريكية هي أن الدعوة إلى الديمقراطية قد تساعد على إضعاف الأنظمة الاستبدادية التي تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية) .
الرابط بين الديمقراطية والعلمانية:
بالرجوع إلى التعريف الذي قدمناه عن العلمانية باعتبارها إقصاء للدين من أن يكون مصدرا للشرعية أو ميزانا توزن بها الأمور، تجد أن الشرعية في النظام الديمقراطي مصدرها هو إرادة الأغلبية، فالشيء لا يكتسب الشرعية إلا عندما توافق الأغلبية عليه مهما كان مقدسا، وبالتالي الديمقراطية سياسيا هي صورة من صور العلمانية لأنها لا تجعل الدين مصدرا للشرعية ولا مقياسا ولا ميزانا توزن به الأمور، فقط إرادة الأغلبية هي التي تحدد.
خاتمة حول النظام الديمقراطي:
إن أطروحات نقض الديمقراطية كثيرة حديثا وقديما، ومن أشهر ما كُتب في ذلك مؤخرا كتاب: (أسطورة الناخب الرشيد: لماذا الديمقراطية تختار أسوأ السياسات) وهو للبروفيسير Bryan Caplan والعجيب أنه جعل غلافه صورة لقطيع من الخراف للتدليل على الناخبين!
لقد أتيتك من كلام غير العرب والمسلمين قديما وحديثا ما ندلل به على نقدنا ونقضنا للديمواقرطية، لتعلم أنها ليست كما صورها لنا بنو قومنا من القداسة حتى في موطنها الأصلي اليوم، وليست نظاما مطلق المثالية واجب الاحترام والتقدير كما يدعون، وقد تتابع كبار الحكماء والفلافسة والمفكرون على نقدها ونقضها من قبل الميلاد! فقيمتها المثالية العليا ليست مثالية، وإذا كانت مثالية فلا سبيل لتحقيقها، والمعيار الذي وُضع للتدليل على هذه القيمة معيار خاطئ، ولو كان معيارا صحيحا فنظرية النواب التي وضعت لتحقيقه لا تحققه، والآلية الانتخابية التي وضعت لتحقيق النظرية أسوأ وأسوأ، فهو نظام يتلاعب به رأس المال مستخدما بوقه الإعلامي، نظام يقوم على الخداع والكذب الدعائي حتى في أكبر الدول التي تشدقت به"أمريكا"، وقد أثبتت الأيام عوار هذا النظام وحقيقته.
وإذا كان البعض يرى أن النموذج الغربي للديمقراطية وعلى رأس ذلك أمريكا هو نموذج الحكم المثالي فنحن نرى أنه النموذج الأسوأ للبشرية، نموذج لم يقدم إلا خداعا وتضييعا منمقا للحقائق، نموذج لا علاقة بين شعاراته وبين حقيقته على الأرض، نموذج لم يقدم إلا فاشية واعتداء على الشعوب المستضعفة، نموذج لم يصدر إلا ما يخدم مصالح فئة محددة على حساب الآخرين، ونعتقد أنه على كل حر أن يشغل نفسه ليل نهار بهدم قيمه وإزالته وإنهاء أسطورته وكم في ذلك من خدمة للشعوب كلها!