إلمام كل واحد فيه بكل العلوم السياسية والاقتصادية والعسكرية، بل قد يكون كثير من الشعب لا يحسن القراءة والكتابة أصلا، وهذا شيء طبيعي في الشعوب كلها، لكن الغير طبيعي هو أن يتم تجاهل الفوارق الإدراكية والمعرفية بين الناس بهذه الصورة التي تجعل من حق الجميع إبداء رأيه في كل شيء بلا امتلاك لأدنى معرفة وبلا تفرقة بين شخص وآخر، وهذا شيء فيه امتهان حقيقي لقيمة العلم والتخصص، ولذلك تحولت السياسة في ضوء الفلسفة الديمقراطية إلى نَصْب!! لقد أصبحت السياسة فقط هي فن الخطابة والقدرة على استمالة الناس والمهارة في التلاعب بعقول الجماهير السطحية بعيدا عن أي معرفة حقيقية أو قدرات تخطيطية.
وهذا هو الشيء الذي دفع الفلاسفة القدامى الذين عاصروها في أثينا لمواجهتها ورفضها، وأشهر من واجهها هو فيلسوف اليونان وحكيمها (سقراط) والذي أعدم على يد نظام الحكم الديمقراطي حينها بسبب آرائه! وأكمل مسيرته تلميذه أفلاطون فقد اعتبرها أيضا نظاما سيئا للحكم وكان يدفع نحو ضرورة أن يسند الحكم لأصحاب المعرفة والعلم رافضا فكرة المساواة بين الجميع في ذلك، وهو بذلك يتبع مجملا الاتجاه الذي يدفع إليه أستاذه سقراط حيث ضرب مثلا في ذلك بالمريض الذي يجب أن يرجع للطبيب المتخصص ولا يستمع لرأي الأكثرية لأنه سيموت حينها!
إن هذه القيمة (حكم الشعب) تفترض أن ما اختاره الناس هو الحسن حتى ولو كان سيئا، إنها تخالف بذلك كل حس وفكر وعقل!
ثم إذا افترضنا أن سيادة الشعب هي القيمة المثالية العليا فهل تحكيم إرداة الأغلبية والتي من الممكن أن تكون 51% تصلح بالفعل أن تكون معيارا يدل على سيادة الشعب كله، أم هي سيادة البعض فوق البعض؟
وهل كل الشعب أصلا يذهب لصناديق الاقتراع! إن نسبة المشاركة في الانتخابات لو وصلت لنصف من يَحِق لهم الانتخاب تكون نسبة مرتفعة جدا!!
ثم إذا افترضنا مرة أخرى أن تحقيق إرادة الأغلبية من الناخبين تعني بالفعل سيادة الشعب كله فهل النظرية الحديثة للديمقراطية تمثل تحقيقا لإرادة الأغلبية أصلا؟
هذه النظرية ملخصها هو اختيار الأغلبية لنواب ينوبون عنهم وبالتالي هم ينوبون عن كل الشعب، يتم ذلك كله عن طريق انتخابات يدلي فيها بعض الناس بأصواتهم، مما جعل الصورة كالآتي:-
أن الأغلبية والتي يمكن أن تكون 51% يختارون أقلية تسمى"النواب"، عبر انتخابات يوجهها رؤوس الأموال وأساطين الدعاية ولا يشارك فيها معظم الشعب، لتحكم هذه الأقلية النوابية الشعب كله بأغلبيته وأقليته حكما مطلقا مستمرا لسنوات لا يحق لأحد إلا الرضوخ لهم لأنهم يمثلون"إرادة الشعب"!! ليجد الجميع في النهاية أن السيادة المطلقة صارت في يد أقلية داخل السلطة التنفيذية والتشريعية، هذه الأقلية تتحكم وحدها في كل كبيرة وصغيرة، فأين سيادة الشعب في هذا العك؟!