وعلى ضوء هذا التعريفات السابقة للعلمانية تفهم أنها ليست مجرد سلوك، فبعض الناس يحسب أن العلمانية هي عدم الحجاب والسفور، والزنى وشرب الخمور! وفي الحقيقة هذه الأفعال في حد ذاتها ليست دلالة للعلمانية ولا تصلح لتعريف العلمانية بها، بل كما شرحنا من الممكن أن تترك الخمر والزنى والسفور وتقاوم المحتل وتكون علمانيا لأن منطلقاتك لكل هذا ليست دينية، ومن الممكن أن ترى أيضا كثيرا من الملتزمين سلوكيا بالدين والمستمسكين بالمظهر الإسلامي والرافعين لشعاراته يرسخون للعلمانية شكلا وموضوعا عبر جماعاتهم وأحزابهم وأحاديثهم وبياناتهم وتصريحاتهم، وعلى العكس تماما من الممكن أن تجد كثيرا من المقصرين في أفعالهم والواقعين في كثير من الذنوب والمعاصي وعدم الالتزام بالمظهر الإسلامي كالحجاب الشرعي هم في الحقيقة مجرد عصاة يستغفرون الله ويعرفون أنهم مخطئون ويعادون العلمانية والعلمانيين ويدافعون عن الدين ويجعلونه مقياسا للحكم على كل شيء كحال كثير من الشعوب المسلمة اليوم!
العلمانية وطبيعة الإسلام:
وبالرغم من أن الأنظمة في بلادنا هي أصلا علمانية إلا أن هناك من التيارات السياسية من لا يتكلم إلا عن ضرورة تطبيق العلمانية، ويجعلها الحل لكل المشاكل التي نعانيها، وكأننا نعيش في ظل الإسلام أصلا!! ويبدو أنهم بحاجة لمن يذكرهم بأننا نعيش في ظل العلمانية منذ قرن أو أكثر ولا نشعر بأي شعور جميل في الحقيقة!! ونحن لسنا بحاجة للحديث عن سلوك العلمانيين لكي نثبت أن العلمانية في بلادنا ليست إلا فراغا روحيا ونفسيا وفكريا!
فكل الممارسات السياسية التي ترفع لواء العلمانية وتجعل من شعاراتها رمزا للتغيير كشعارات (فصل الدين عن السياسة) و (الدولة المدنية) ولا تتحدث إلا عن"الدولة الدينية"- والتي لا اعرف حتى الآن أين هي؟! - كلها محاولات بائسة غرضها استنساخ التجربة الأوربية للتغيير والتي قامت على فكرة (اشنقوا آخر قيصر بأمعاء آخر قسيس) في إشارة للتزاوج السياسي الفاشي الذي كان معقودا بين"رجال الدين"وملوك أوربا في القرون الوسطى أي فترة حكم الكنيسة، وهو استنساخ فاشل يدل على الجهل المركب بالإسلام كدين، وبحقيقة المسلمين كأمة.
فإذا تحدثنا عن الإسلام فالإسلام ليس دينا كهنوتيا كـ"المسيحية"وغيرها، ولا يعرف وصاية رجال الدين، بل لا يعرف فكرة رجال الدين أصلا!! (الكهنوت ببساطة هو سلطة الإله الممنوحة لبشر، هذه السلطة تكون لمن يسمون"رجال دين"ليصبحوا وسطاء بين باقي البشر وبين الإله)
وحتى علماء المسلمين الذين تخصصوا في دراسة علومه لا يوجد في الإسلام ما يعتبرهم رجال دين على هذه الطريقة الكهنوتية الكنسية، فهم لا يختصون بتواصل إلهي وليس لهم حق سماوي خاص يمكّنهم من الوصاية على دنيا الناس ودينهم، إن الإسلام لا يعرف الرتب الدينية الموجودة في معظم الأديان، كما في المسيحية مثلا هناك درجات للكهنوت تختلف من مذهب لمذهب، في الأرثوذكسية والكاثوليكية على سبيل المثال هناك ثلاث درجات من الكهنوت (الشماس - القسيس - الأسقف) وبين كل درجة ودرجة هناك رُتب.