والتفرقة بين حكمنا على الكيان وحكمنا على أفراده مهم جدا، فإن هذه الكيانات هي كيانات سياسية، وتقييمها يكون بحسب ممارساتها ومنطلقاتها السياسية المعلنة، وأما الحكم على نية وحال كل شخص فيها فهو خارج عن موضوعنا هنا وغير مؤثر في الحكم على الكيان، وإننا بما عايشناه في الواقع وبما رأيناه في التاريخ القريب وجدنا أن بعض هؤلاء الأفراد ينحدرون مع الوقت - للأسف - ويظلون في تنازلات وتراجعات شخصية حتى تضمحل نواياهم الخفية وتبريراتهم الشرعية القديمة التي ذكرنا بعضها، فيصبح اعتقادهم هو نفس كلام كيانهم المعلن، بل قد يتحول بعض أفراد هذه الكيانات عبر المراحل الزمنية المتعاقبة إلى علمانيين أكثر من العلمانيين الأصليين!
وأما الكيانات أنفسها فهي كذلك لا تقف عند حد معين من التنازل والتراجع السياسي، فحتى شعاراتها الإسلامية تقل تدريجيا كما حدث في مصر مع حزب الحرية والعدالة عندما غير شعاره بعد الثورة من (الإسلام هو الحل) إلى (نحمل الخير لمصر) ، وكذلك إذا تتبعنا حزبا مثل حزب النور بسهولة جدا تستطيع أن تشاهد كيف انحدر سريعا حتى وصل لهذا الشكل والخطاب الموجود الآن، وكذلك يمكن أن نتتبع حال هذا التيار في العالم كله ونقارن بين خطابه الآن وخطابه منذ 20 سنة فقط!
وحتى التقييم الغربي للكيانات"الإسلامية"وللأفراد فإنه يهتم بالممارسات السياسية والمنطلقات المعلنة، فإن كانت علمانية سموها أحزابا معتدلة وتعاملوا معها على هذا الأساس، فهم متجاوزون تماما لمسألة النوايا الشخصية، يظهر ذلك بشدة عند حديثهم عن (أردوغان) وحزب (العدالة والتنمية) في تركيا، فإن التقييم كله ينْصبّ على الممارسات السياسية للحكومة هناك وهذا ما يعنيهم. وكون أردوغان يعلن أن تركيا دولة علمانية وأنه سيظل محافظا على علمانية الدولة، وكون الممارسات السياسية كلها لم تخرج عن هذا الخط فهذا كافٍ جدا للغرب في الحكم على الحكومة هناك بأنها معتدلة، بعيدا عن كون أردوغان نفسه مؤمنا بالعلمانية أم لا على المستوى الشخصي!
وأما العلمانية الشائعة في بلادنا فهي تعادي أصحاب الشعارات الإسلامية بقوة، وتهتم بالنوايا الداخلية للأشخاص أكثر من الممارسات السياسية المعلنة! إلا أن صورة المعاداة اختلفت، فقديما كانوا يتهمونهم بأنهم يخفون غير ما يعلنون وأن لهم أجندات إسلامية خفية لإقامة الشريعة وأنهم يتخذون من الشعارات العلمانية ستارا لهم، وهكذا كان حديث العلمانيين دائما""للإسلاميين""، إلا أن المضحك هو أن العلمانيين اكتشفوا مع الوقت أن كثيرا من أصحاب الشعارات الإسلامية لا يفترقون عنهم بشيء ولا ينوون إقامة الشريعة أصلا، وهنا أصبحت العلمانية الشائعة تتهمهم بالعكس وهي (أنهم"تجار الدين"لأنهم متفقون مع العلمانية في كل شيء ولا يحملون حتى نوايا داخلية لإقامة الدين وبالرغم من ذلك يستعملون الشعارات الإسلامية كنوع من المتاجرة واللعب على عواطف الناس الدينية) ، والمضحك مرة أخرى هو أن أصحاب الشعارات الإسلامية يرون أن التنازل الكامل عن هذه الشعارات كبيرة من الكبائر ووقوع في"العلمانية"ولا يدرون - أو يدرون ويتغافلون - أنهم واقعون فيها منذ أمد بعيد!