وأما في الإسلام فالله وحده من يعلم منازل الناس ورتبهم ودرجاتهم، ورب أشعث أغبر لا يأبه أحد له يكون أفضل عند الله من ألف عالم متخصص يقطع الناس إليهم آلاف الأميال، وهذا لا يعني التقليل من فضل العلم ولا التحقير من شأن العلماء، فإن قيمة الأمم تُعرف من قيمة العلماء فيها، وإن احترام العلماء فرع عن احترام علمهم، فهو احترام لمن احترم العلم منهم، الذين يعملون بما يعلمون ويتحملون تبعات كلمة الحق ويبذلون كل غال ونفيس لتعليم الناس وتوعيتهم بعد أن يكونوا قد بذلوا سابقا الغالي والنفيس في سبيل التعلم والوصول إلى الحق بتجرد من الهوى وحظوظ النفس، فهؤلاء هم ورثة الأنبياء بحق، ولكن هذا أيضا لا يعني عصمتهم ولا قداستهم، فإنه لا يؤمَن على حيهم الفتنة كما لا يؤمن على ميتهم النار، وليس بعد النبي صلى الله عليه وسلم عصمة، وقد انقطع الوحي بموته صلى الله عليه وسلم واكتمل الدين ولا يملك أحد مهما بلغ من العلم أن يأتي بوحي جديد، فكلٌ منهم ينقل عن هذا الوحي الذي انقطع ويستنبط منه.
إن فكرة التأييد المطلق من السماء لحاكم أو عالم أو ما كان يسمي في أوروبا"بنظرية الحق الإلهي"ومحاولة إضفاء الشرعية على الدول عبر استخدام رجال الدين وكأنهم مصدر ذاتي للتأييد الرباني هي فكرة ليست من الإسلام في شيء، وتناقضه ولم يعرفها قط.
وأما ما تفعله الأنظمة اليوم من محاولات تحويل الإسلام إلى دين كهنوتي حيث يقومون بإضفاء القدسية على مؤسسة دينية محددة كي يستغلوها استغلالا سياسيا فهو إجرام كبير يضُاف إلى قائمة جرائمهم التي لا تعد ولا تحصى، وهذا ما يفعله النظام المصري مثلا مع الأزهر فهو يعطي أفراده قداسة متعمدة كي يستخدمهم بعد ذلك في تخدير الشعوب وإضفاء الشرعية على حكمه، ولذلك إذا رجعت بالذاكرة لثورة 25 يناير الفقيدة فستجد أن أول من واجهها وحرم النزول فيها هو شيخ الأزهر أحمد الطيب ومفتي الجمهورية حينها علي جمعة!
ومثل الأزهر في مصر تجد هيئة كبار العلماء في"السعودية"وهكذا في كل دولة تجد محاولات من الأنظمة لاحتكار الدين وتحويله إلى منتج رسمي لا يحق لأحد الحديث عنه إلا بتصريح من الدولة لنجد في النهاية أننا أمام مؤسسات دورها هو تسويغ أفعال النظام وإخراج التبريرات الشرعية له، وليتمكن النظام من خلالهم أن يصف كل من يعاديه - من منطلق ديني - بأنه خارج عن الدين الصحيح متطرف، وهكذا يظل النظام يزيد من قدسية تلك المؤسسات الرسمية ويظل الشعب منخدعا بأفراد تلك المؤسسات وهم في الحقيقة - إلا من رحم الله - منافقون يفسدون دين الناس كما قال ابن المبارك:
... وهل أفسد الدين إلا الملوك * * * وأحبار سوء ورهبانها
وليست المؤسسات الدينية الرسمية من تقوم وحدها بهذا الدور، فقد صارت كثير من الجماعات الدعوية غير الرسمية تسير على نفس النهج وأصبح دورهم في بعض البلدان أهم من المؤسسات الرسمية عند الأنظمة كالتيارات السلفية المختلفة، وما أكثر علماء السوء اليوم الذين أساؤوا لعلمهم ولذلك هان كثير منهم مع الوقت على الناس وتجرأ عليهم الجميع وسقطت هيبتهم بعدما ألبسوها للحكام، بل قد يساعد الحكام على إهانتهم وامتهانهم بعدما يأخذون منهم ما يريدون، وأحسن القائل:-