وعلى هذا الأصل ينبني أخذ الجزية.
وأما الراهب الذي يعاون أهل دينه بيده ولسانه - مثل أن يكون له رأي يرجعون إليه في القتال أو نوع من التحضيض:
فهذا يقتل باتفاق العلماء إذا قُدر عليه، وتُؤخذ منه الجزية - وإن كان حبيسا منفردا في متعبده - فكيف بمن هم كسائر النصارى في معايشهم ومخالطتهم الناس واكتساب الأموال بالتجارات والزراعات والصناعات، واتخاذ الديارات الجامعات لغيرهم؟! وإنما تميزوا على غيرهم بما يغلظ كفرهم ويجعلهم أئمة في الكفر - مثل التعبد بالنجاسات وترك النكاح واللحم واللباس الذي هو شعار الكفر -
لا سيما وهم الذين يقيمون دين النصارى بما يظهرونه من الحيل الباطلة، التي صنف الفضلاء فيها مصنفات، ومن العبادات الفاسدة، وقبول نذورهم وأوقافهم.
والراهب عندهم؛ شرطه ترك النكاح فقط، وهم مع هذا يجوزون أن يكون بتركا وبطرقا وقسيسا وغيرهم من أئمة الكفر الذين يصدرون عن أمرهم ونهيهم، ولهم أن يكتسبوا الأموال كما لغيرهم مثل ذلك.
-فهؤلاء لا يتنازع العلماء؛ في أنهم من أحق النصارى بالقتل عند المحاربة، وبأخذ الجزية عند المسالمة، وأنهم من جنس أئمة الكفر الذين قال فيهم الصديق رضي الله عنه ما قال وتلا قوله تعالى: {فقاتلوا أئمة الكفر} .
ويبين ذلك أنه سبحانه وتعالى قد قال: {إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله} ، وقد قال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} ، فهل يقول عالم؛ إن أئمة الكفر الذين يصدون عوامهم عن سبيل الله ويأكلون أموال الناس بالباطل ويرضون بأن يتخذوا أربابا من دون الله؛ لا يقاتلون ولا تؤخذ منهم الجزية؟! مع كونها تؤخذ من العامة الذين هم أقل منهم ضررا في الدين وأقل أموالا؟! لا يقوله من يدري ما يقول.
وإنما وقعت الشبهة لما في لفظ الراهب من الإجمال والاشتراك، وقد بينا أن الأثر الوارد؛ مقيد مخصوص، وهو يبين المرفوع في ذلك، وقد اتفق العلماء على أن علة المنع هو ما بيناه.
فهؤلاء الموصوفون؛ تؤخذ منهم الجزية بلا ريب ولا نزاع بين أئمة العلم، فإنه ينتزع منهم ولا يحل أن يترك شيء من أرض المسلمين التي فتحوها عنوة وضرب الجزية عليها.
ولهذا لم يتنازع فيه أهل العلم من أهل المذاهب المتبوعة - من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة -؛ أن أرض مصر كانت خراجية.
وقد ثبت ذلك في الحديث الصحيح الذي في صحيح مسلم، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودرهمها، وعدتم من حيث بدأتم) .
لكن المسلمون لما كثروا نقلوا أرض السواد في أوائل الدولة العباسية من المخارجة إلى المقاسمة، ولذلك نقلوا مصر إلى أن استغلوها هم - كما هو الواقع اليوم - ولذلك رفع عنها الخراج، ومثل هذه الأرض لا