الكاتب: ابن تيمية
سُئل شيخ الإسلام رحمه الله؛ عن الرهبان الذين يشاركون الناس في غالب الدنيا - فيتجرون ويتخذون المزارع وأبراج الحمام وغير ذلك من الأمور التي يتخذها سائر الناس فيما هم فيه الآن - وإنما ترهب أحدهم في اللباس وترك النكاح وأكل اللحم والتعبد بالنجاسة ونحو ذلك.
وقد صار من يريد إسقاط الجزية من النصارى؛ يترهب هذا الترهب، لسقوط الجزية عنه، ويأخذون من الأموال المحبوسة والمنذورة ما يأخذون.
فهل يجوز أخذ الجزية من هؤلاء أم لا؟ وهل يجوز إسكانهم بلاد المسلمين مع رفع الجزية عنهم أم لا؟
أفتونا مأجورين.
الجواب:
الحمد لله.
الرهبان الذين تنازع العلماء في قتلهم وأخذ الجزية منهم؛ هم المذكورون في الحديث المأثور عن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال في وصيته ليزيد بن أبي سفيان لما بعثه أميرا على فتح الشام.
فقال له في وصيته: (وستجدون أقواما قد حبسوا أنفسهم في الصوامع؛ فذروهم وما حبسوا أنفسهم له، وستجدون أقواما قد فحصوا عن أوساط رءوسهم؛ فاضربوا ما فحصوا عنه بالسيف، وذلك بأن الله يقول: {فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} ) .
وإنما نهى عن قتل هؤلاء؛ لأنهم قوم منقطعون عن الناس محبوسون في الصوامع، يسمى أحدهم حبيسا، لا يعاونون أهل دينهم على أمر فيه ضرر على المسلمين أصلا، ولا يخالطونهم في دنياهم، ولكن يكتفي أحدهم بقدر ما يتبلغ به.
فتنازع العلماء في قتلهم، كتنازعهم في قتل من لا يضر المسلمين لا بيده ولا لسانه - كالأعمى والزمن والشيخ الكبير ونحوه، كالنساء والصبيان -
فالجمهور يقولون: لا يقتل إلا من كان من المعاونين لهم على القتال في الجملة، وإلا كان كالنساء والصبيان.
ومنهم من يقول: بل مجرد الكفر هو المبيح للقتل، وإنما استثنى النساء والصبيان؛ لأنهم أموال.