الصفحة 18 من 25

من وسائل المنافقين التي لا ينفكون عنها أبدًا ولا يجدون عنها حولًا إثارة الشبه، والتشكيك في الثوابت والمسلمات، والتلبيس على الناس، مستغلين بذلك وسائل الإعلام، سيما الصحف، حيث لا رقيب عليهم ولا محاسب لما يكتبون خاصة فيما يتعلق بأمر الإسلام، فقد عاد الإسلام غريبًا كما بدأ.

من تلكم الشبه التي أثيرت وتثار من حين إلى آخر؛ أن السودان فتح صلحًا وليس عُنْوَة، وأن المسلمين تعايشوا فيه تعايشًا سلميًا مع الكفار، ويدغدغون عواطف الناس بتعليلهم لذلك بأن الشعب السوداني شعب متسامح!

وهذا لعمر الله من باب المدح الذي هو عين الذم، لأن هذا التسامح لا يقوم إلا على أنقاض عقيدة الولاء والبراء، وإلا على حساب التنازل عن كثير من أمور الدين.

هذه الشبهة ما هي إلا وسيلة للتوصل إلى الهدف الأكبر والغرض الأسمى لديهم، الذي يسعون إليه جاهدين، مستغلين الهيمنة الأمريكية على الإسلام والمسلمين في هذا الوقت لتحقيقه والتمكين له، وهو أن تحل المواطنة أوالعلمانية أواللادينية محل الإسلام، حيث تقوم العلائق بين الخلق على أساس إبعاد الدين عن جميع مناحي الحياة، اللهم إلا في جانب الشعائر التعبدية، أما ما سوى ذلك فالكل لـ"قيصر"، وينتج عن ذلك أن تتساوى الأديان، ويزال الإسلام، وتعيش الأمة حياة متحضرة لا عقد فيها بزعمهم، كما يعيش إخوانهم في أمريكا وأوروبا: {والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم} ، خاب فألهم وتبددت آمالهم.

فهل حقًا أن السودان فتح صلحًا؟ وما هي الفروق بين أن يُفتح البلد صلحًا أوعُنْوَة، خاصة فيما يتعلق ببناء الكنائس وصيانتها في حكم الشرع؟

هذا ما نود الإشارة إليه وتوضيحه في هذه العجالة، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينة.

فالسودان [1] فتح عُنْوَة في سنة 31 هـ، بقيادة البطل عبد الله بن أبي السرح رضي الله عنه، والدليل على ذلك تحويل كنيسة"دنقلا"- العجوز - مسجدًا، ولولا أن البلاد فتحت عُنْوَة لما حوِّلت الكنيسة إلى مسجد، ثم عقد المسلمون هدنة وصلحًا مع النصارى.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: (ثم غزا عبد الله بن سعد بعد أفريقيا"الأساود"من أرض النوبة فهادنهم، فهي إلى اليوم، وذلك سنة إحدى وثلاثين) [2] .

(1) أعني بلاد النوبة الشمالية.

(2) البداية والنهاية، السيرة النبوية: 4/ 690 للحافظ ابن كثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت