أقول: لأنهم كانوا متأدبيين مع الشارع يطلبون الحق ويعرفون أن العلم قال الله قال رسوله .. وليس هو فكرك وفكر الحزبْ وفهمي وفهمك .. إلخ.
ولذلك علّمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى الإيمان فقال: (شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وان تعطوا من المغنم الخمس ... الحديث) .
فتأمل كيف ذكر هذه الأعمال في الإيمان فإنه خبر صحيح في كتاب أجمعت الأمة على تلقيه بالقبول وهو اصح الكتب بعد كتاب الله .. فاحفظه لتلجم به المرجئة وأتباعهم.
ومثل ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عمرو بن عنبسة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك لله وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك.
قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان.
قال (الرجل) : وما الإيمان .. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت ... الحديث).
فها هو يسأل عن الإيمان، وليس كما زعم الكاتب أنهم لم يسألوا عن معنى الإيمان .. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
فإذا تقرر أن قوله: (وفهمها العرب بمجرد سماعهم لها .. دون أن يسألوا عن معناها) غير صحيح، بل منقوض بالأحاديث المذكورة، فإن ما بناه عليه بعد ذلك منقوض .. لأن ما بني على فاسد فهو فاسد.
وهو قوله: (فهذا دليل على أنهم فهموها كما هي أي كما كانوا يفهمونها قبل نزول القرآن) ؛ فقد عرفت أنهم فهموها على مراد الله في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم بعد نزول القرآن .. وأنهم لرشادة عقولهم واستسلامهم لحكم الله وشرعه وعدم تقديمهم أفهامهم واستحساناتهم وأفكارهم على حكم الله، قدّموا الحقيقة الشرعية التي قررها الله ورسوله على الحقيقة اللغوية التي كانت مقررة عندهم قبل نزول القرآن ..