عن نطاقهم متذرعين بأن استجابة المسلمين أقرب، وهذا تبرير لا أصل له إذ هم من أوجب إتباع طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم ويعرفون الإتباع بقولهم: أن يفعل مثل فعله على وجه فعله لأجل فعله.
وما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم هو طلب النصرة من الكافرين مع اشطراته عليهم دخول الإسلام.
وهم لا يطلبون النصرة إلا من المسلمين مخالفين بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو قالوا بأننا سنطلب النصرة من الكافرين ونشترط عليهم دخول الإسلام كما فعل ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لعلم جهلهم وفساد مذهبهم فتأمل ذلك يرحمك الله تعالى.
ثانيًا: إن الطريقة التي التزمها صلى الله عليه وسلم لا دليل على وجوبها فزيادة على ما ذكرنا من أدلة، فأنه لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر الصحابة بذلك ولم يؤثر عن أحدهم أنه شارك الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا العمل، ولو كان الأمر واجبًا لطلب منهم ذلك.
وكما هو مقرر في الأصول فإن الواجب ينقسم من حيث الأداء إلى قسمين لا ثالث لهما، واجب العين، وواجب الكفاية، والفرق بين الواجبين، أن واجب العين يتحتم على كل فرد مسلم بعينه لا ينوب عنه غيره، وأما واجب الكفاية، فإن قام به البعض سقط عن الباقين، ومعنى"قام به البعض"أي تحقق قيامه، ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلب من الصحابة مشاركته في الأمر، ولم يؤثر عن الصحابة أنهم شاركوه في الأمر رغم طول الفترة وشدة الحال، مما يجعلنا نوقن بأن الأمر خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم ولا يطلب ذلك من المسلمين، فإن فعله صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى قسمين فقد يكون فعله خاصًا به كالقضية التي نحن بصددها، وقد يكون عامًا وهو أقسام، أن يكون الفعل واجبًا إما على العين أو الكفاية، وإما أن يكون مندوبًا، وإما أن يكون مباحًا، وكل فعل من هذه الأفعال يحتاج إلى دليل خاص إذ لا يعرف حكم فعله صلى الله عليه وسلم إلا بقرينة، على خلاف قوله، ولا قرينة هنا تدل على الوجوب، بل الدليل القاطع يدل على أن كون الفعل خاصًا بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يقال إن إصرار الرسول على هذا الأمر يعتبر دليلًا على وجوبه، وذلك من أمرين:
الأول: أن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب فهنالك أعمال كثيرة كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحرص عليها كركعتي الفجر، وصلاة الوتر، ومع ذلك لم يقل أحد من أهل العلم بوجوبهما لعدم ترك الرسول صلى الله عليه وسلم لهما.
الثاني: أن الأمر لو كان واجبًا لطلب صلى الله عليه وسلم من المسلمين مشاركته إذ القاعدة الشرعية تدل على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، خاصة وأن المسلمين كانوا أشد الحاجة إلى الأمن والتمكين، بل لمّا هاجر المسلمون إلى الحبشة لم يأمرهم صلى الله عليه وسلم أن يطلبوا النصرة للمسلمين منه رغم معرفته صلى الله عليه وسلم بملك الحبشة وأنه لا يظلم