وهذا ما لم يتحقق في المرحلة الأولى في الجماعة الأولى، فكما ذكرت أن المسلمين بداية الأمر كانوا قلة وبحاجة إلى تثبيت لدعوتهم وأنفسهم، على خلاف واقع اليوم فإن الدين محفوظ بحفظ الله له وقد أكمله الله سبحانه وأتمه.
2)لقد جاءت المرحلة الثانية ناسخة للمرحلة الأولى ومبطلة لها:
وذلك من خلال قوله سبحانه: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين) . فبعد أن أصبح حول الرسول صلى الله عليه وسلم فئة مؤمنة ثابتة لا تقدم الدنيا على الآخرة أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهر بدعوته مبطلًا بذلك ما سبق من سرية الدعوة، وكان ذلك من خلال أمرين:
الأول: الجهر بالدعوة.
الثاني: إظهار أصحابها.
كما جاء في السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين نزلت عليه الآية الكريمة خرج بالمؤمنين صفين يجوب بهم شعاب مكة مجهرين بدعوتهم، ومن الجدير ذكره أن الصراع الذي أطلق عليه الصراع الفكري لم يكن فيما بين المسلمين إنما كان بين المسلمين والكافرين، وعليه لم تكن دعوة المسلمين للكافرين متعلقة بالتحاكم إلى شرع الله سبحانه، بل كانت دعوة لهم لاعتناق الإسلام وهذا واضح للغاية على خلاف أصحاب هذه النظرية فهم يجعلون الصراع صراعًا داخليًا، أي صراعًا داخل دائرة الإسلام مما جعلهم يخرجون عن حقيقة الإتباع، وبهذا يتبين لك ما قدمناه من كون طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم لم تكن لإقامة الدولة إنما مرحلة من مراحل نشر الإسلام.
فادعاء وجوب التزام طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في العمل لإقامة الدولة الإسلامية إدعاء مجرد عن الدليل لا يسار إليه إذ إن الطريقة التي التزمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن إلا مرحلة صراع بين الإيمان والكفر لا علاقة لها بتطبيق النظام إذ لا يعقل أن يدعو الرسول صلى الله عليه وسلم الكفار إلى تطبيق النظام دون وجود النظام، فتنبه لذلك فهو نفيس جدًا.
3)وهو ما يتعلق بطلب النصرة:
وقد ثبت ذلك بفعله صلى الله عليه وسلم إذ عرض نفسه على القبائل طالبًا منهم نصرة دينه وحماية المسلمين، والمتأمل في طريقة القوم يجدها مخالفة لفعله صلى الله عليه وسلم فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يطلب النصرة من المسلمين ولم يشترط ذلك، فقد كان يطلبها من المشركين ويشترط عليهم الإسلام، وأما هؤلاء فهم يحصرون القضية في المسلمين ولا يخرجون