الصفحة 74 من 84

أن المنظمات الفلسطينية، بما فيها حركة فتح، تموضعت في أغلبها في الخارج منذ اللحظات الأولى للنشأة وإلى حين اندلاع الانتفاضة الأولى في 9/ 12/1987. بل أن حركة الجهاد الإسلامي كانت قياداتها الفاعلة عسكريا ومؤسسيها في الخارج لما كانت الحركة تحمل اسم «سرايا الجهاد الإسلامي» وكانت الجهاد واحدة منها. وظلت كذلك إلى أن اغتالت إسرائيل أبرز قياداتها العسكرية في مدينة ليماسول القبرصية في 14/ 2/1988 لتنتهي «السرايا» وتستقل حركة الجهاد وحدها. والسؤال: لماذا شذت حماس عن القاعدة؟ ولماذا تصر على أنها حركة تحرر تمارس نشاطها ضد إسرائيل في فلسطين وانطلاقا منها وليس في الخارج أو ضد أية مصالح إسرائيلية أو غربية تدعم إسرائيل كالولايات المتحدة مثلا؟

السبب بسيط! وهو أن «الإخوان المسلمين» ، ومن ورائهم «السروريين» ، لا يحتملون تنظيما مسلحا في الخارج سواء كان فلسطينيا أو غير فلسطيني. ولا يحتملون أي شكل من أشكال المقاومة أو الجهاد ما لم يحظ بمشروعية دولية وليس عربية فقط. والحقيقة أنهم قد يتعاطفون مع تيارات الجهاد العالمي حتى ذات الصبغة المحلية كالشيشان أو الصومال أو الطالبان لكنهم لا يمكن أن تكون لهم أية مواقف رسمية إيجابية فيما يتعلق بالقاعدة، بل لم تعد لهم أية مواقف رسمية فيما يتعلق حتى بالجهاد المحلي الذي يتوافق مع الأطروحة العقدية للقاعدة أو حتى بالدفاع عن الحقوق الطبيعية للبشر.

في غزة، مثلا، خرج الفلسطينيون في مسيرات صاخبة حتى من الجامعة الإسلامية في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ورفعوا اللافتات الكبرى وهي تحمل القسَم الشهير للشيخ أسامة بن لادن عن فلسطين وصور بن لادن، ورسموا على جدران المساجد صور الحدث. ولما اغتيل أبو مصعب الزرقاوي أمير تنظيم القاعدة في العراق صلى عليه الفلسطينيون صلاة الغائب حتى في مساجد حماس وخاصة مسجد الشافعي المحسوب على كتائب القسام. لكن «حماس» تنصلت في 12/ 6/2006 من بيان نعي نشرت خبرا عنه وكالة الأنباء البريطانية «رويترز» واعتبر الزرقاوي «شهيد الأمة ... وضحية الحملة الصليبية ضد العرب والمسلمين» . وبعد الخطاب الشهير للظواهري في 11/ 3/2007 الذي قال فيه: «يؤسفني أن أواجه الأمة بالحقيقة المؤلمة، فأقول عظم الله أجرك في قيادة حماس فقد سقطت في مستنقع الاستسلام لإسرائيل» ، استفحلت الخلافات بين قادة التيار الجهادي العالمي وحماس إلى حد العداء السافر والتشويه.

هذه النتيجة السلبية في العلاقة بين التيار الجهادي العالمي و «الإخوان» كانت حتمية الوقوع عاجلا أم آجلا. فالجماعة صاحبة مبدأ «السلامة العامة» منذ ستينات القرن الماضي لم تعد قادرة على تحمل المزيد من الضربات والتشرد. ولا شك أن انحيازها التدريجي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت