بطبيعة الحال لا تختلف أطروحة الجماعة الأم عن أطروحة الكثير من الفروع خاصة في الجزائر والأردن ولبنان والمغرب وتونس والسودان وفلسطين التي سننظر في وضعها لاحقا. لكن أكثرها قربا وتصريحا هو فرع الجماعة في سوريا التي تكاد تتطابق أطروحتها مع أطروحة الجماعة الأم بذات الصورة التي عبر عنها د. عبد المنعم أبو الفتوح. ففي مقابلة له مع صحيفة «إيلاف (10) » الإلكترونية بتاريخ 18/ 3/2006 أجاب المراقب العام علي صدر الدين البيانوني على سؤال: «هل تريدون تشكيل حكومة إسلامية أم تقبلون بحكومة مدنية في سوريا كما يردد خدام؟» بالقول: «نحن في الأصل برنامجنا السياسي يسعى إلى إقامة دولة مدنية تعددية بالمرجعية الإسلامية، وهي مرجعية توفر للدولة المدنية كل مقومات الحضارة والنهوض وقيم الحرية والتعددية والمساواة وتكافؤ الفرص» .
وفي برنامج «بصراحة (11) - 4/ 5/2008» على قناة «العربية» سئل «البيانوني» ثانية عن شكل النظام السياسي فيما إذا وصلت الجماعة إلى الحكم؟ فأجاب: «نحن في مشروعنا السياسي المُعلن والمنشور؛ وفي تحالفاتنا السياسية مع إعلان دمشق؛ ومع جبهة الخلاص الوطني؛ نؤكد على أننا نصرّ على الدولة المدنية ... القائمة على المؤسسات وعلى العدل والمساواة والتعددية والتداول السلمي للسلطة» . ثم عاد في وقت لاحق (11/ 4/2009) ليؤكد للمرة الثالثة على الأقل على ذات الموقف في برنامج «بالعربي (12) » على قناة «العربية» قائلا: «أنا متفاءل أنه بإمكان المعارضة أن تنسق وأن تتعاون وأن توحد قواها للوصول بسوريا إلى ما يصبو إليه شعبنا من الحرية والكرامة، وأن تعود سوريا لكل أبنائها وطنًا منيعًا دولة مؤسسات دولة مدنية حديثة» .
على كل حال، فإن هذه اللغة للسيد أبو الفتوح ومثلها في الفروع من شأنها حشر «الإخوان» في واحدة من اثنتين: فإما أنها «جماعة علمانية» أكثر من العلمانيين أنفسهم لاسيما وهي تستميت لإثبات هذا التوصيف، وإما أنها، كما قال الشيخ أبو بصير الطرطوسي (13) ، من «الحركات الإسلامية المصابة بلوثة الزندقة» إذا ما احتفظت بلغتها الجديدة وأصرت، في نفس الوقت، على هويتها كجماعة إسلامية. فهذه اللغة، التي تتضمن فيها الجملة الواحدة عديد التناقضات والتمييع والخداع لم يسبق أن استعملها الأولون ولا الآخرون بعدْ، ولم يقل بها الشيخ حسن البنا ولا عبد القادر عودة ولا الغزالي ولا أي رمز من رموز الجماعة التاريخيين، ولا حتى القضاء المصري. فمن هو من المشايخ والعلماء جرؤ على القول بأن الدولة في مصر إسلامية وهي التي تحكم بموجب القوانين الوضعية ذات المصادر الشتى في التشريع؟ ومن هو الذي أحال الحكم بالشريعة إلى إرادة الشعب؟ وكيف يكون نظام العقوبات مصدر فخر واعتزاز ثم يجري ترحيل العمل به إلى إرادة الشعب؟ وهل نزلت الشريعة من فوق سبع سماوات لتكون إرادة البشر ومصالحهم هي صميم الإسلام؟ فما