أما مسألة إقامة الحدود فما من أحد يتصور إقامتها اعتباطيا. فهي أولا وآخرا جزء من المنظومة الإسلامية، ولعلها من أطرف المفارقات حقا أن ترمي «حماس» خصومها من الجماعات الجهادية بالجهل في الإسلام والشريعة معتبرة أن تطبيق الشريعة ليس فقط مجرد حدود، وهي التهمة التي لطالما رُميت بها كافة الجماعات الإسلامية سابقا وفي مقدمتها «الإخوان المسلمين» أنفسهم الذين يتعرضون، منذ دخولهم الانتخابات سنة 2005، لذات المساءلة أو التهمة!!! لكن تطبيق حدٍّ واحد، لمن يطالب بتطبيق الشريعة، سيكون بمثابة مؤشر جدي على بلوغ مسألة تطبيق الشريعة ذروتها. وبما أنه لم يطبق حتى حد التعزير، على الأقل، فهذا يعني أن مسألة التدرج بعيدة جدا عن الحقيقة إنْ لم تكن مجرد تَعِلَّة بيد أصحاب الشأن. ولعل في تصريحات الشيخ حامد البيتاوي (2) لجريدة «الغد» ما ينفي كل زعم أو جدوى بأن «حماس» ماضية في أسلمة المجتمع أو القوانين. فإذا كان التدرج بالحكمة والإقناع وحرية الاختيار تعني مجرد المعارضة فسيكون حال الشريعة كحال الفرزدق ومربع! زعم الفرزدق أنْ سيقتل مربعًا ... أبشر بطول سلامة يا مِربعُ.
فأي تدرج هذا الذي يبدأ برفض قرار محكمة يُلزم المحاميات بارتداء الحجاب؟ وأي تدرج هذا الذي يسمح بتسمية الخمور بالمشروبات الروحية؟ وأي تدرج هذا الذي يسمح بكل هذا الكم الهائل من التصريحات المعادية لأية دعوة تتعلق بالشريعة أو حتى بالمظهر الإسلامي؟ وأي تدرج هذا الذي يسمح لـ «حماس» بأن تدافع عن نفسها أمام الشريعة وكأنها الخصم (الباطل) وهي الأصل (الحق) ؟ وأي تدرج هذا الذي يسمح بحشد آلاف المقاتلين لإنقاذ صحفي أجنبي ويهدد بارتكاب مجزرة بجموع المسلمين إذا لم يُطلق سراحه؟ وأي تدرج هذا الذي يسمح بتكسير الأرجل وإطلاق النار عليها وبترها وسفك دماء الناس في المساجد والشوارع والأحياء ثم تُشوه سمعة الضحايا ويُفترى عليهم دون أن يجرؤ أحد على محاسبة الجناة أو مساءلة الحكومة؟ وأي تدرج هذا الذي تظهر فيه أخلاق الغطرسة والعزة بالإثم واللغة السوقية والاتهامات والتشكيك على جماعة من المفترض أنها ذات أخلاق إسلامية رفيعة ونموذج يحتذى حتى للخصوم؟ أي تدرج هذا الذي يبيح الكذب بصورة تقشعر لها الأبدان، ويتخذه نهجا ويصر عليه، غير آبه بخلق ولا دين، حتى بعد فضحه على الملأ، وبالأدلة القاطعة؟
لكن يبقى السؤال الأول: أليست «حماس» أولى في الالتزام بشرع الله قبل غيرها؟ أم أنها فوق الحكم الشرعي والمساءلة؟ وكم من الوقت ستحتاج «حماس» بمثل هذه التصريحات لتبدو على المجتمع مظاهر الإسلام؟ والسؤال الأهم: هل يمكن تصنيف تصريحات «حماس» ، فيما يتعلق بتطبيق الشريعة، والتسوية والتحالف مع الشيعة والكذب والتشويه وارتكاب المجاز وغيرها من الممارسات ضمن «معركة المصحف» ؟ لكن ما هي قصة «معركة المصحف» ؟