ثالثا: «معركة المصحف»
قبل اغتياله بتسعة شهور تقريبا كتب الشيخ حسن البنا في جريدة «الإخوان المسلمون» اليومية (العدد 627 السنة الثالثة بتاريخ الأحد 7 رجب 1367، 16 مايو سنة 1948) مقالة عن «حاكمية الشريعة» بعنوان: «معركة المصحف - أين حكم الله؟» . ولو كتبها في أيامنا هذه لاستحق لقب «تكفيري» بامتياز حتى من داخل الجماعة قبل غيرها! ولسنا ندري إن كانت مثل هذه الأفكار والتوجيهات لدى المرشد قد تسببت فعلا باغتياله في 12/ 2/1949 بعد بضعة شهور من كتابته لها والمجاهرة في التعبير عنها، خاصة وأن هذه المقالة بالذات جاءت بعد يومين من الانسحاب البريطاني وإعلان قيام دولة لليهود في فلسطين.
ويبدو أن الكاتب إبراهيم العسعس كان محقا في مقالته: «الإخوان والرهان الخاسر» لما قال: «توفي المؤسس رحمه الله فجأة قبل أن يقول لهم ما يريد على وجه التحديد «. ففي سياق مناقشته لشروط قيام «القاعدة المسلمة» التي تتولى تطبيق «حاكمية الشريعة» أو حمايتها، يميز المفكر الإسلامي محمد قطب في كتابه «واقعنا المعاصر» بين فكر «البنا» في بداية تأسيس الجماعة وفكرها في أواخر أيامه خاصة فيما يتعلق بتطبيق الشريعة قائلا: «لئن كان هذا لم يكن واضحًا تمامًا في مبدأ الطريق، أو كان خافيًا وراء الحماسة العاطفية للجماهير، فقد اتضح في حس الإمام الشهيد في أيامه الأخيرة على ضوء الخبرة الواقعية كما يبدو ذلك واضحًا متبلورًا» في مقالة: «معركة المصحف» والتي ننقلها فيما بعد بنصها كما وردت في «واقعنا المعاصر» .
إذن، فقد كان فكر «البنا» قد تبلور بصورة أكثر وضوحا من ذي قبل. وبلغة الشيخ محمد قطب،: «نعم، لقد اتضح الأمر في حس الإمام الشهيد في أيامه الأخيرة» ، ولكنه «لم يُمهَل حتى يرسِّخ هذا المعنى في قلوب أتباعه ... ، فظل ... غير واضح في نفوسهم، ولا تبدو آثاره في تخطيهم وتحركهم وأفكارهم» . لكن ما لم يكمله «البنا» ويعمل عليه تصدى له سيد قطب ومحمد قطب وغيرهما من كبار المفكرين الإسلاميين بينما كانت الجماعة تتنصل منه بالتدريج وتتخلى عن دعاته ورموزه تباعا حتى انقلبت عليه وعليهم وارتمت في أحضان الدساتير والدولة المدنية. فما الذي قاله «البنا» في مقالته؟ لنقرأ النص:
«معركة المصحف - أين حكم الله؟»