الصفحة 5 من 11

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.:

فإنه حري بالمسلم أن يستمع للموعظة والتذكير حتى لو كان في سعة من العيش وفورة في الصحة وبحبوحة من الأمان، فكيف إذا نزلت به نازلة آذنت بدنو الأجل واقتراب لقاء الله؟

يا سماحة الشيخ: لقد تعرضت للابتلاء حين سهل الله لك طريق العلم وسخر لك الحكام فترقيت في المناصب وتبوأت مسؤولية الفتوى الرسمية وعينت رئيسا لهيئة كبار العلماء، ولذلك فإن ابتلاءك لم يكن بمجرد تحصيلك للعلم، وهو بلاء عظيم بحد ذاته، ولكنه في تمكينك من منصب الفتيا الرسمية التي تملك من خلالها سلطة وقوة ووسائل الإعلام والتبليغ التي لا يملكها الآخرون من العلماء وطلبة العلم. ثم أن الله زاد بلاءك فأعانك عى سبل العيش ووسع لك في الرزق ومد لك في العمر طويلا وأنت ترفل في تلك المناصب والنعم وتتمتع بتلك السلطة والنفوذ.

يا سماحة الشيخ: مثلك ليس المعلَّم عظم تلك المسؤولية وخطورة ذلك البلاء، ومثلك لا يخفى عليه معنى قوله سبحانه {أن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الناس ويلعنهم اللاعنون} . فالعالم يستحق اللعنة من الله ومن اللاعنين إذا كتم الحق حتى لو كان من آحاد العلماء فكيف إذا كان متبوءًا لمنصب الفتيا وممكّنا من وسائل التبليغ والإعلام. وكان من عظم تلك الجريمة أنه لا يكفيها مجرد التوبة منها واستكمال شروط التوبة الواردة في الذنوب الأخرى بل أن العالم لا يسلم من اللعنة -لعنة الكتمان- إلا إذا أدى ما جاء في الآية التي تتلو السابقة وهي قوله تعالى: إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم"، فلا بد من الإصلاح والتبيين وإرشاد من تسبب العالم بضلالهم إلى الحق الصحيح. اسمح لنا ياسماحة الشيخ أن نستعرض سجلكم خلال السنين الماضية في قضية البلاغ."

لقد صدر عنكم أقوال كثيرة تزكون فيها الدولة وتصفونها بأحسن الأوصاف الشرعية رغم أنكم على اطلاع كامل وتفصيلي على ما يجري في البلد وكل تفاصيل المخالفات الشرعية التي يرتكبها النظام على مستوى الدولة وعلى مستوى الأفراد المتنفذين. بل إنكم كما يعرف القريبون منكم أعلم بكثير ممن يدعون أنهم على علم بما يجري، لأن معظم أهل الإصلاح يوصلون ما عندهم من أخبار ومعلومات وملاحظات ونصائح إليكم، ولقد شهدنا شخصيا جلسات كثيرة بُسط فيها الواقع لكم بشكل تفصيلي ليس فيه مواربة، بل إننا نستطيع أن نقول أن الحجة قد أقيمت عليكم وأن الذمة قد برئت معكم من قبل عدد كبير من المشائخ وأساتذة الجامعات والمصلحين، وأن إقامة الحجة في بيان الواقع على التفصيل لكم قد حصل مرارا وتكرارا من قبل أناس تثقون بهم وتأخذون بحديثهم. ولا أدل على ذلك من مذكرة النصيحة التي قدمت لكم وراجعتها اللجنة الخماسية وهيئة كبار العلماء وأنتم ترأسون تلك الجهتين، ولا يجادل أحد أن تلك المذكرة حجة على من قرأها.

ونحسب أنه لا يسعكم الاعتذار بحجة أنكم لا تتعرفون إلا على ما يطلعكم النظام عليه، بل أنتم على دراية تفصيلية بالأوضاع، ومتابعة إجبارية أجبركم عليها عدد كبير من الدعاة والمصلحين وطلبة العلم. ولذلك فلربما ترتكبون خطأ عظيمًا ومنزلقا خطيرا حين تزكون الدولة هذه التزكية، وأنتم تعلمون حالها، وتعلمون كذلك من خلال اطلاعكم الشرعي خطورة مثل هذا العمل، فمثلكم ليس غريبا على مؤلفات وأقوال علماء الدعوة وخاصة الشيخ محمد بن عبدالوهاب.

فإذا كنتم تعلمون يقينا أن النظام يحكم بغير ما أنزل الله رغم تكرار التنبيه والنصيحة، فما هو موقفكم من قول محمد بن عبدالوهاب عن أولئك الذين يزكون من يحكم يغير ما أنزل الله قال رحمه الله: (إن هؤلاء الطواغيت الذين يعتقد الناس فيهم وجوب طاعة من دون الله كلهم كفار مرتدون عن الإسلام، كيف لا وهم يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، ويسعون في الأرض فسادا بقولهم وفعلهم وتأييدهم، ومن جادل عنهم، أو أنكر على من كفرهم، أو زعم أن فعلهم هذا لو كان باطلا لا ينقلهم إلى الكفر، فأقل أحوال هذا المجادل أنه فاسق، لأنه لا يصح دين الإسلام إلا بالبراءة من هؤلاء وتكفيرهم) . [الرسائل الشخصية، 188] فإذا كان مجرد عدم التكفير جريمة كبرى عند الشيخ محمد بن عبدالوهاب، فكيف بمن يصفهم بأحسن أوصاف الإسلام ويزكي دولتهم ونظامهم، ويحمل على من أنكر عليهم.

وأنتم يا سماحة الشيخ تعلمون يقينا أن النظام قد فرض الربا فرضًا على الناس وأقام له الصروح العاتية ودعمه بخزينة الدولة وجعل اقتصاد الدولة قائمًا عليه. وتعلمون يقينا أن النظام يوالي الكفار ويدعمهم وينصرهم ويستنصر بهم ويمكن لهم وينفذ مخططاتهم ويتآمر معهم ضد المسلمين، وتعلمون يقينا أن النظام يشجع الفساد الخلقي ويساهم في انتشاره من خلال الإعلام والتعليم ومن خلال دعم خلايا الفساد المحمية من قبل الأمراء ومن خلال تحجيم الدعوة وتعطيلها. وتعلمون يقينا ما يرتكبه النظام من جرائم ضد الدعاة وما يشنه من حرب عليهم سجنا وتشريدًا وحصارًا وإرهابًا، بل إنكم من أعلم الناس بذلك لأنكم غالبًا ما تكونون أول من يُخبر عن حادث اعتقال أو مداهمة أو إيقاف أو مثله. وتعلمون يقينا أشكال الظلم الواقعة على الأفراد والجماعات والقبائل والعوائل من قبل النظام كنظام ومن قبل المتنفذين فيه كأفراد، لان كثيرًا من المظلومين غالبا ما يلوذون بكم ويكتبون لكم مستنجدين.

إن مشكلتكم يا سماحة الشيخ ليست مجرد تزكية النظام بل لقد اضطررتم للتناقض أكثر من مرة بسبب مداراة النظام. ومن أمثلة هذا التناقض الصريح فتوى تحريم الاستعانة بغير المسلمين التي وجهت لجمال عبدالناصر، والتي قلتم فيها أن الاستعانة لا تجوز حتى عند الضرورة. وكان ذلك هو هوى النظام في تلك الفترة، ومرت السنين وانقلبت الصورة فلم تكتفوا بتجويز الاستعانة للضرورة بل اعتبرتموها واجبة وآثم من لم يعملها. وتكرر منكم تغيير الفتوى متابعة للحاكم في قضيتي أفغانستان واليمن، هذا فضلا عن قائمة الفتاوى الصادرة منكم تبعا لرغبة النظام وأولها فتوى استدعاء القوات ثم بيان هيئة كبار العلماء ضد خطاب المطالب وبيان الهيئة ضد مذكرة النصيحة وبيان الهيئة ضد لجنة الدفاع، وبيان الهيئة في الأمر بتوقيف الشيخين سلمان وسفر من أجل"حماية المجتمع من أخطائهما"والفتاوى الأخيرة التي جعلت الأمريكان من المعاهدين معصومي الدم واعتبار قتلهم من أعظم أنواع الفساد في الأرض.

ترى هل قرأتم كلام شيخ الاسلام بن تيميه فيمن يفتى بخلاف الكتاب والسنة موافقة لهوى السلطان، قال في الفتاوى: (ومتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله كان مرتدا كافرا يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة) الفتاوى [ج 35 ص 372 - 373]

إن كتمان العلم ليس هو كتمان الكتاب والسنة فلا أحد يستطيع كتمان الكتاب والسنة، لكنه عدم إنزالها على الوجه الصحيح في النوازل التي يستوجب على العالم إنزال النصوص عليها. هذه الجريمة العظيمة إذا اكتفى بالكتمان فقط، فكيف إذا خان الأمانة، وكذب على الله حين يبلغ عنه غير ما أراد سبحانه في كتابه وسنة رسوله. فهؤلاء هم المقصودون بقول الله تعالى {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} .

إن مشكلتكم يا سماحة ليست مجرد العجز، فالعاجز بإمكانه أن يعترف بعجزه ويقول ويستقيل ويخرج منها كفافًا، لكن مشكلتكم هي الوقوف بثقل وجدية ونشاط مع الباطل وتأييده بالكلمة والموقف والفتوى.

لقد آن الأوان مادام في العمر بقية أن تسعوا لحسن الخاتمة وطيب الذكر بعد أن تقوموا بواجب الإصلاح والتبيين، الا قد بلغنا اللهم فاشهد.

[نشرة الإصلاح العدد 155 بتاريخ 5 أبريل 1999]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت