[الكاتب: أيمن الظواهري]
استمعت مع الملايين من ابناء الأمة الإسلامية إلى نشرات الأنباء وهي تنشر عبر الأثير فتاوى عبد العزيز بن باز، وهو يدعو المسلمين إلى الصلاة في المسجد الأقصى، ويبيح التجارة والتعامل مع إسرائيل.
ثم سمعت رد رئيس وزراء إسرائيل"إسحاق رابين"على ابن باز، مرحبًا ومحييًا فضيلة المفتي.
ولم استغرب أن تصدر مثل هذه الأقوال من مثل ذلك الرجل كما استغربها كثير من الناس، فإن لي في ذلك الرجل رأيا لا زلت متمسكًا به - رغم استعظام الكثيرين له - ففي منطقي القاصر وعقلي الضعيف؛ انه لا يمكن ان يجمع رجل بين الإمامة في الدين والتصدي للفتوى والتعليم، وبين تقلد أرفع مناصب ديني في دولة آل سعود - دولة العمالة لأمريكا -
فكيف يدفع آل سعود لذلك الرجل تلك الرواتب، ويقلدونه تلك المناصب، وهم أشد الناس تبعية لأمريكا، إلا أن يكون وجود ذلك الرجل في تلك المناصب يمثل مصلحة أساسية لآل سعود، الذين يحكمون بلاد المسلمين بحد السيف، لا يدارون في ذلك ولا يداهنون!
ولو دار في خلدهم مرة؛ أن هذا الشيخ يمكن أن يعارضهم أو يهدد ملكهم لاتخذوا ضده ما يكفي لإسكاته - من العزل إلى القتل - وتاريخ آل سعود في ذلك مع معارضيهم اشهر من ان يذكر.
وليست هذه هي هدفي من تلك الكلمة.
وإنما الهدف الذي أردته؛
أن ابن باز وطائفة حوله قد اتخذهم الكثيرون قدوة في الدين ومرجعًا للفتوى، وكانوا ولا يزالون يرجعون إليهم وإلى كتاباتهم واقوالهم في أهم أمور الدين - وهي أمور الإعتقاد والتوحيد - وفي أخطر مسائل المسلمين - وهي مسائل الحكام المرتدين الذين يسيطرون على بلاد المسلمين -
وكان هؤلاء المتبعون - رغم ما يتشدقون به من تحررهم من التقليد المذهبي - أشد الناس تقليدًا بتلك الطائفة، وامتدت هذه الدعوى وسرت في أوساط الآلاف من الشباب المسلم، حتى اصبحت أمرا مسلمًا.
حتى لقد رأينا عالمًا فاضلًا كالدكتور سفر الحوالي، يصرح بأن الديمقراطية قد تكون ضرورة لإنقاذ البلاد من الفوضى، مستشهدًا بما حدث في الجزائر، مستندًا في هذا إلى كلام ابن باز! [1] رغم رسوخ قدم الحوالي في تدريس علوم التوحيد، ورغم مؤلفه القيم عن العلمانية، فإذا كان هذا هو حال سفر الحوالي - مع علمه الواسع وتضحياته في سبيل الدعوة - فما بالك بغيره؟
لقد عاش الآف الشباب اسرى لهذه الاسماء الرنانة - ابن باز، العثيمين وأبي بكر الجزائري - يتبعونهم ... أو على الأقل لا يجرؤون على مخالفتهم حتى وإن عظم خطأهم وفحش انحرافهم.
وكنت أستغرب؛ كيف يقلد الناس دينهم رجلاٍ لم يضح في سبيل الله ولم يبتل فيه، بل لا يقبض راتبه إلا للدفاع عن مصالح الطواغيت! فكيف يسأله الناس في رقاب الطواغيت ودمائهم وإزالة ملكهم؟!
لقد آن للشباب المسلم أن يتحرر من تلك الأسماء الرنانة الجوفاء، التي تمادت في نفاق الطواغيت حتى هان قدرها واصبحت مثارًا للسخرية على ألسنة الأولياء والأعداء!
وآن لهذا الشباب أن يلتف حول العلماء العالمين الصادقين، الذين يعانون ويبتلون في سبيل دينهم، والذين وصفهم المولى سبحانه في قوله: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} .
وآن لهذا الشباب أن يخرج من الغيبوبة التي يعيش فيها، ويدرك أن معركة الإسلام والكفر، والحق والباطل، معركة محتومة لا فرار منها، وأنه إن لم يستعد لها ويعد لها عدتها فسيكون أول ضحاياها.
لقد كان يسعنا أن نسكت على هؤلاء؛ إن كانوا قد رضوا لأنفسهم بالسكوت، والكلام فيما لا يُغضب السلاطين من أمور الدين التعبدية الشخصية، وإن كان هذا أيضًا مستحيلًا مع استشرار وفساد هؤلاء الطواغيت.
ولكن أن يتحول هؤلاء العلماء؛ إلى مخربين ومدمرين لعقائد الشباب، ومبررين لكفر الطاغوت، ومعادين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومبيحين لإستقرار قوات الغزو الصليبي الأمريكي في أرض جزيرة العرب، ومباركين للتطبيع وسياسة الهيمنة اليهودية على ديار الإسلام!
هذا ما لا يسع من في قلبه ذرة من حياة - ناهيك عن ان يكون في قلبه ذرة من إيمان - أن يسكت عنه.
وأنا أعلم أن كلامي هذا سيستكثره كثير من الطيبين الذين لا زالوا يعيشون في الوهم، أو الذين يتفقون معي ولكنهم لا يجدون في أنفسهم الشجاعة للتصريح بذلك، خوفًا من اتهام الغير لهم بـ"احتقار العلماء"، أو لأنهم لا يستطيعون أن يخالفوا ما ظلوا يرددونه لسنوات طويلة.
ولكن الحق ابلج، والباطل لجلج؛
إن ابن باز وطائفته؛ هم علماء السلطان، الذين يبيعوننا لأعدائنا في مقابل راتب أو منصب، وإن غضب من غضب، ورضي من رضي.
إن صف الإيمان يجب قبل مواجهة صف الكفر؛ أن يتخلص من المزيفين والمنافقين.
{وكذلك نصرف الآيات ولتستبين سبيل المجرمين}
عن مجلة المجاهدون
العدد الحادي عشر، السنة الأولى
الأربعاء، 3/شعبان/1415 هـ
1)في شريط مسجل له، رقم 4661، تسجيلات الهداية الإسلامية بالدمام، محاضرة بتاريخ 23/ 6/1412.