قسم علماء الحديث أخبار النبي صلى الله عليه وسلم باعتبار نقلها إلينا وقلة عدد رواتها أو كثرتهم إلى قسمين:
أخبار متواترة.
وأخبار آحاد.
فالمتواترة: هي التي يرويها الجمع الكثير عن مثلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحيث تحيل العادة تواطئهم على الكذب.
وأما الآحاد: فهي التي يرويها راو واحد أو أكثر ولم يجمع شروط المتواتر.
وهو تقسيم أراد منه العلماء ضبط بعض المسائل المتعلقة بالحديث، فالصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يفرقون بين المتواتر والآحاد في الحجية والعمل.
ولم ينازع أحد في حجية المتواتر، وإنما وقع النزاع في حجية أخبار الآحاد بعد أن دخلت على المسلمين لوثات الفلسفة وعلم الكلام، فنازع البعض في حجيتها ولزوم العمل بها، مع أن الأدلة من كتاب الله عز وجل، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإجماع الصحابة وسلف الأمة تدل على الاحتجاج بحديث الآحاد، ووجوب العمل به، في العقائد والأحكام على حد سواء.
فمن أدلة القرآن، قوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [التوبة: 122] ، فقد حث الله عز وجل المؤمنين في هذه الآية أن تنفر من كل فرقة منهم طائفة تقوم بمهمة النذارة وتبليغ الدين والتفقه فيه، ولفظ الطائفة يتناول الواحد فما فوقه.
ومنها قوله سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} ، وفي قراءة {فتثبتوا} [الحجرات: 6] ، فهذه الآية دلت على أن الخبر إذا جاءنا عن الثقة العدل فإن الحجة تقوم بخبره، ولا يلزمنا التثبت فيه، وأما الفاسق فهو الذي يجب أن لانقبل خبره إلا بعد التثبت والتبين.
والسنة العملية التي جرى عليها النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه في حياته وبعد وفاته تدل أيضًا دلالة قاطعة على الاحتجاج بحديث الآحاد وعدم التفريق في ذلك بين العقيدة والأحكام.
ومن ذلك ما جاء عن أنس ابن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نضَّر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها عني فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) [رواه ابن ماجه وغيره] ، فقد ندب صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إلى استماع حديثه وحفظه وأدائه إلى الغير، ولو لم تقم الحجة بذلك لما كان لهذا الندب فائدة.
وروى البخاري عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمِر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة) ، وهو نص على أن الصحابة رضي الله عنهم قبلوا خبر الواحد في نسخ ما كان مقطوعًا عندهم من وجوب استقبال بيت المقدس، فتركوا ذلك واستقبلوا الكعبة بهذا الخبر، ولولا أنه حجة عندهم لما تركوا استقبال القبلة الأولى.
وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم رسله إلى الملوك، يدعوهم فيها إلى الإسلام، وبعث أصحابه إلى البلاد ليعلموا الناس أحكام الإسلام وشرائعه، وكانوا ينوبون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتوى والقضاء والفصل في الخصومات، وكانت الحجة تقوم بتبليغ كل واحد منهم ما كُلِّف به.
وقد أجمع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم وسلف الأمة على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي صلى الله عليه وسلم، حتى جاء المتكلمون فخالفوا الإجماع، فهذه النصوص كلها تؤكد حجية خبر الآحاد ووجوب العمل به، وأن الواجب على المسلم أن يسلم لأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة، من غير معارضة لها بعقل أو قياس، قال تعالى: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون} [النور: 24] .
[عن الشبكة الإسلامية]