الشارع الاستعانة بالمشرك، فكيف بالأضرار الكثيرة التي تنجم من الاستعانة بالدول الكافرة، وهي أكثر بكثير من خطر الفرد الكافر، بل لا وجه للمقارنة بين الضررين وشتان بين الخطرين، فيتبين من ذلك أنّ منع الاستعانة من الدولة الكافرة أولى وأوجب في التحريم من الاستعانة بالفرد الكافر.
الخامس: أنّ الإسلام جاء ليقاتل المشركين لا ليستعين بهم، فكيف يجوز الاستعانة بهم والله يأمر بمقاتلتهم كآفة في قوله تعالى: {وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة} (التوبة / 36) . فلا يستقيم الأمر بمقاتلتهم كآفة مع جواز الاستعانة بهم في قتال بعضهم وإلاّ كان ذلك تناقضًا في النصوص وتضاربًا في الأحكام وهو مما نفاه الله عن كلامه بقوله: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا} (النساء / 82) . وبهذا يتبين لنا المراد من قوله - صلى الله عليه وسلم: (( فإنّا لا نستعين بالمشركين على المشركين ) )ومفهومه: إنّا لا نستعين بالمشركين على قتال طائفة من المشركين، بل نستعين بعد الله بمن معنا من المسلمين لقتال المشركين كآفةً. فتدبر هذا فإنه مهمّ.
قلت: لما كان موضوع الاستعانة بالكفار من المسائل التي يدور حولها النقاش في أيامنا هذه نظرًا لأن بعض أهل العلم أفتى بجواز ذلك يجدر بنا هنا أن نعرض لأقوالهم وأدلتهم في جواز الاستعانة بالكفار ونبين فساد ما استدلوا به من جهة عدم ثبوت صحة ما استدلوا به أو لكون الأدلة التي استدلوا بها في جواز الاستعانة بالكفار مضطربة أو غير صريحة في دلالتها. وإليك ما استدلوا به والجواب عنه:
استدلوا باستعانة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الهجرة بعبد الله بن أريقط وكان مشركًا. والجواب على ذلك نقول:
إن استعانة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بابن أريقط لم يكن في القتال والحرب، بل كان في الخدمة كالدلالة على الطريق وغير ذلك مما لا تعلق له بالجهاد، وهذا النوع من الاستعانة يجوز شريطة أن يكون الكافر المستعان به مأمون الجانب يأمنه المسلمون على أموالهم وأنفسهم كالحال مع ابن أريقط الذي أمنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - كما جاء ذلك من حديث عروة عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كما رواه البخاري في باب فضائل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - (7/ 9 - 10) ومسلم في فضائل الصحابة باب فضائل أبي بكر، برقم (2381) . قال الإمام ابن حزم - رحمه الله تعالى - في المحلى بالآثار (12/ 112) بعد أن منع الاستعانة بالكفار ذميين كانوا أو حربيين، قال: (وهذا عموم مانع من أن يستعان بهم في ولاية أو قتال أو شيء من الأشياء إلاّ ما صح الإجماع على جواز الاستعانة بهم فيه كخدمة الهداية أو الاستئجار أو قضاء حاجة وغيره مما لا يخرجون فيه عن الصغار) . ونقل الإمام ابن عبد البر في التمهيد (12/ 35) عن الإمام مالك - رحمه الله تعالى - قوله: (ولا أرى أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين إلاّ أن يكونوا خدمًا أو نواتيةً) أهـ.
قلت: النواتية: جمع نوتي وهو الملاح في سفن البحر.
واستدلوا باستعارة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صفوان بن أمية يوم حنين دروعًا وقد كان آنذاك مشركًا. وقالوا: اشتهر عند أهل السير والمغازي أنّ صفوان بن أمية شهد حنينًا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان مشركًا.