والجواب عن ذلك أنّ خبر صفوان مع أنه لا دلالة فيه على استعانة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به في القتال، غايته أنه استعار منه دروعًا يوم حنين واستعارت الدروع منه شيء والاستعانة به في الحرب والقتال شيء آخر؛ ولم يثبت أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعان به في قتال حنين فلا حجة فيه للمخالف.
ثم إنّ قصة استعارت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صفوان بن أمية دروعًا للحرب لا تثبت بها حجة للاضطراب الشديد في سندها ومتنها، فقد ذكر ابن عبد البر - رحمه الله تعالى - في التمهيد (12/ 40 - 42) قال: (حدثنا عبد الله بن محمد بن يحي قال: حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا الحسن بن محمد وسلمة بن شبيب قالا: حدثنا يزيد بن هارون قال: حدثنا شريك عن عبد العزيز بن رفيع عن أمية بن صفوان بن أمية عن أبيه أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - استعار منه دروعًا يوم حنين فقال: أغصب يا محمد. فقال:(( بل عارية مضمونة ) ). ثم قال ابن عبد البر: قال أبو داود: هذه رواية يزيد ببغداد وفي روايته بواسط غير هذا قال أبو داود وكان أعاره قبل أن يسلم ثم أسلم؛ قال أبو عمر بن عبد البر: حديث صفوان هذا اختلف فيه على عبد العزيز بن رفيع اختلافًا يطول ذكره فبعدهم يذكر فيه الضمان وبعضهم لا يذكره وبعضهم يقول: عن عبد العزيز عن ابن أبي مليكة عن ابن صفوان قال: (( استعار النبي - صلى الله عليه وسلم - ) )لا يقول عن أبيه، ومنهم من يقول عن عبد العزيز بن رفيع عن أناس من آل صفوان أو من آل عبد الله بن صفوان مرسلًا أيضًا، وبعضهم يقول: فيه عن عبد العزيز بن رفيع عن عطاء عن أناس من آل صفوان ولا يذكر فيه الضمان ولا يقول: مؤداه، بل عارية فقط؛ والاضطراب فيه كثير ولا يجب عندي بحديث صفوان هذا حجة من تضمين العارية. والله أعلم) أهـ.
قلت: فعلى فرض ثبوته لا تثبت به حجة على الاستعانة بالكافر في الحرب والقتال فكيف يحتج به وهو غير ثابت للاضطراب الشديد في متنه وسنده.
واستدلوا أيضًا بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: شهدنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر، فقال لرجل ممن يدعي الإسلام: (( هذا من أهل النار ) )، فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالًا شديدًا فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله، الذي قلت من أهل النار فإنه قد قاتل اليوم قتالًا شديدًا وقد مات؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إلى النار ) ). قال: فكاد بعض الناس أن يرتاب، فبينما هم على ذلك إذ قيل: إنه لم يمت ولكن به جراحًا شديدًا فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فقال: (( الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله ) )ثم أمر بلالًا فنادى بالناس: (( إنه لا يدخل الجنة إلاّ نفس مسلمة، وإنّ الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ) ). (رواه البخاري في كتاب الجهاد - باب: إنّ الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر(3 / ح 2897 / ص 1114 - 1115) ومسلم في كتاب الإيمان باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه (1 / برقم 111 ) ) .
فقالوا هذا الذي قاتل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان فاجرًا والفجور عام يشمل الكفر والفسوق، فقالوا: يحتمل أنه كان في حقيقة أمره كافرًا وشهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنار أو يحتمل أنه ربما شك في إيمانه فمات كافرًا.
قلت: ليس في هذا الحديث حجة على جواز الاستعانة بالكافر في القتال بدليل أنّ الرجل الذي قاتل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن كافرًا، إذ ليس في الحديث ما يفيد ذلك بدليل قول أبي هريرة: (شهدنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر فقال لرجل ممن يدعي الإسلام) ، فإذا كان يدعي الإسلام جاز مشاركته للمسلمين في القتال، لأن ظاهره الإسلام وإجراء الأحكام في الإسلام على الظواهر ونكل السرائر إلى الله.