الأمر الرابع [1] وهو: موقفه من المُخالفين. الذي يُريد أن يَعيش أيّها الأخوة الأكارِم لِأُمَّه، ويَعيش لدين، ويَعيش لِعقيدة، ويَعيش لِمنهج، ويَعيش لله -سُبحانه وتعالى-؛ لا يجد وقتًا لِلمُناوشات الكَلاميّة، والسّخط، والجدَل، والمِراء، والقيل والقال، والدّفاع عن النّفس، والخَوض، والتّحرّش بِالمُسلمين، ومُصارَعَتِهِم، ومُقَارَعَتِهِم , لا يجد وقتًا لِمثل هذا لِأن نفسه قد زادت واضمحلّت، فهو إنّما يعيش لربّه -سبحانهُ وتعالى- ولدينه، ولقرآنه، ولأُمته. وهذا الذي يعيش كبيرًا ويموت كبيرًا بإذن الله تعالى. وهكذا كان شيخ الإسلام -رحمه الله-.
لمّا رجع السّلطان قَلاون، وأخرَجَ شيخ الإسلام -رَحِمَهُ الله- أراه فتاوى بعض العُلَماء مِن خُصومِه، مِمَن حسدوه، ونقموا عليه مُخالَفته إيّاهم في بعض المَسائل العَقدِيّة. كانوا قد أفتوا وكتبوا بِذلك خُطوطهم لِلسّلطان قَبله، بِقتل شيخ الإسلام. فأراه السّلطان قَلاون ذلك، وقال: لا بُد من قَتْلِهِم. فَرفض شيخ الإسلام -رَحِمَهُ الله- وقال: لا والله لا تقتلهم، فإنك إن فعلت ذلك؛ لا تجد مثلهم! قال: إنهم أرادوا قتلك؟! قال: مَن أذاني فَهو في حِل، ومَن أذى الله ورسوله -صلّى الله عليه وسلّم- فالله يَنتقِم مِنه، وأنا لا أنتَصر لِنفسي. ودافع عنهُم حتّى أبطل رأي السّلطان في قتلِهِم.
حتّى قال ابن مخلوف -رحمه الله-:"رَحِمَ الله شيخ الإسلام، جهِدنا أن نقتُله فَلَم نَقدر، فلمّا قَدِر علينا عفى عنّا، بل ودافع عنّا"حتّى رفع السّيف عن رُؤوسهِم فَلَم يُقتَلوا. ومِن القَصَصِ في هذا أيضًا، ما ذكرهُ ابن عبد الهادي في العُقود الدُّريّة،
قال: في رابع شهر رَجَب مِن سنة 711 هـ , لأنه تكلم عن ابن عربي والصوفية فجاء هؤلاء فضربوه - رحمه الله - فبلغ الخبر تلامذة الشيخ ومحبيه فتوافدوا وتتابع الناس لما بلغهم الخبر رجالًا وفرسانًا , وقالوا له ياشيخ هؤلاء قد جاءوا لو أمرتهم أن يهدموا مصرَ على أهلها لفعلوا .. قال إما أن يكون الحق لي، أو لله أو لكم , فإن كان الحق لكم ولا تريدون أن تستفتوني فافعلوا ما شئتم انا لا علاقة
(1) قال الشيخ: (الموقف الثالث) والله أعلم أن الصواب: (الموقف الرابع) لأن الموقف الثالث ذكره من قبل