الصفحة 3 من 28

[الكاتب: بسام عطية]

كثر الأدعياء في هذا الزمان، حتى أنه ليصدق عليهم قول الشاعر- إلا من رحم ربي وقليل ما هم:

كل يدعي وصلًا بليلى

وليلى لا تقر لهم بذاك

من هذه الدعاوى المنتشرة في طول البلاد الإسلامية وعرضها- بل وتعداها إلى غيرها - الادعاء بأن الحاكم الفلاني - وبخاصة إذا مات، واستلم بعده ابنه أو أحد زبانيته - بأنه حاكم راشد، وسياسته راشدة، ودولته راشدة .. ومنها دعوى السلفية واتباع السلف الصالح .. ومنها دعوى معرفة التوحيد، والدفاع عنه، وغيرهم إما مشرك أو مبتدع .. ومنها دعوى المحافظة على سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - والتزامها .. ومنها دعوى فتح باب الاجتهاد والتجديد والتنوير والمعاصرة .. وغيرها من الدعاوى ... والتي ربما يكون لنا معها جولات أخرى - إن شاء الله -.

من الدعاوى التي يُدندن بها كثيرًا في هذه الأيام دعوى اتباع شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -!!

بسبب صحبتي الطويلة لابن تيمية ومواقفه الرجولية، ومؤلفاته المحققة - في غالبها - إذ أن رسالتي للدكتوراه كانت في: (الفكر السياسي عند ابن تيمية [1] ) أستطيع - ولا فخر - أن أميز بين من يوافق ابن تيمية ومن يدعي موافقته .. ولا أدعى أنني وحدي الذي كتب عن ابن تيمية أو قرأ ابن تيمية وتعرف عليه، وإن كنت أدعي أن المجال الذي كتبت فيه من أصعبها وأخطرها وبخاصة في هذا الزمان ..

أود ابتداء أن أُبين أن من أكبر المفارقات بين ابن تيمية، ومن كثير ممن يدعي اتباعه اليوم أن إيمان ابن تيمية كان له أثر كبير على سلوكه، ومواقفه فاعل ومحرك في مجتمعه الذي عاش فيه على جميع الأصعدة الاجتماعية والسلوكية والاجتماعية والسياسية والعسكرية .. حتى أن هذا الإيمان أتعبه جدًا مع المحبين له والقريبين إليه، أو على أقل تقدير على من لا يبيتون له العداوة، وإن خالفوه في بعض الأحيان، كبعض العلماء المعتدلين في زمانه، أو السلطان في مصر الذي كان محبًا له أو نائبه على الشام، وبخاصة بعد قيامه بأعمال جليلة انتفع بها المسلمون عامة .. فضلًا عن أعدائه .. وفارقه أكثر من عرفت من الأدعياء، فلا أثر لهم إلا جعجعة .. أو تعلقًا بزخرف الدنيا الزائل .. وتزيننًا للحكام ضلالهم، بل وكفرهم بالثناء عليهم، وتضليلًا للعوام والدهماء من الشعوب الجاهلة والمقهورة .. إلا ثُلة ممن عرفتهم كالشهيد عبد الله عزام - رحمه الله - الذي اتبع القول العمل حتى لقي الله شهيدًا - نحسبه كذلك والله حسيبه - وإخوانه المجاهدين .. (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا {23} ) ، الأحزاب.

تى انتقل من التنظير إلى التمثيل - فالمثال خير موضح للمقال - أذكر مفارقتين عظيمتين بين ابن تيمية والأدعياء: الأولى: في قول الحق الذي يراه، والصدع به في الملأ - أي عند (عِلية القوم) حسب تعبير القرآن لها - ولو خالفه من خالفه، وحتى لو أدى إلى سجنه، أو كان فيه حتفه .. قال الشيخ علم الدين الزملكاني - مؤرخ تلك الحقبة:"وفي يوم الخميس منتصف ربيع الأول اجتمع قاضي القضاة شمس الدين بن مسلم بالشيخ الإمام العلامة تقي الدين بن تيمية وأشار عليه في ترك الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق فقبل الشيخ نصيحته وأجاب إلى ما أشار به رعاية لخاطره وخواطر الجماعة المفتيين ثم ورد البريد في مستهل جمادى الأولى بكتاب من السلطان فيه منع الشيخ تقي الدين من الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق وانعقد بذلك مجلس وانفصل الحال على ما رسم به السلطان ونودي به في البلد وكان قبل قدوم المرسوم قد اجتمع بالقاضي ابن مسلم الحنبلي جماعة من المفتيين الكبار وقالوا له أن ينصح الشيخ في ترك الإفتاء في مسألة الطلاق فعلم الشيخ نصيحته وأنه إنما قصد بذلك ترك ثوران فتنة وشر". وقال ابن كثير - تلميذ ابن تيمية وعصريه:"ولما كان يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من رمضان اجتمع القضاة وأعيان الفقهاء عند نائب السلطنة بدار السعادة وقرئ عليهم كتاب من السلطان يتضمن منع الشيخ تقي الدين بن تيمية من الفتيا بمسألة الطلاق وانفصل المجلس على تأكيد المنع من ذلك". وقال ابن كثير - رحمه الله -:"وفي يوم الخميس ثاني عشرين رجب عقد مجلس بدار السعادة للشيخ تقي الدين بن تيمية بحضرة نائب السلطنة وحضر فيه القضاة والمفتيون من المذاهب وحضر الشيخ وعاتبوه على العود إلى الإفتاء بمسألة الطلاق ثم حبس في القلعة فبقي فيها خمسة أشهر وثمانية عشر يوما ثم ورد مرسوم من السلطان بإخراجه يوم الاثنين يوم عاشوراء من سنة إحدى وعشرين كما سيأتي إن شاء الله تعالى 2"

صورة المسألة هي: أنه إذا طلق رجل زوجته ثلاث طلقات في مجلس واحد، ذهب أصحاب المذاهب الأربعة إلى وقوع الطلقات الثلاث، وتبين زوجته بينونة كبرى، وذهب ابن تيمية إلى أنها تعد طلقة واحدة، وله المراجعة ..

نجد ابن تيمية يفتي في مسألة يخالفه فيها أئمة المذاهب، ويطلب منه نائب السلطان، والسلطان أن لا يفتي بذلك، لأنه يخالف فيها أتباع المذاهب الأربعة، والمسألة قديمة مقررة في المذاهب منذ زمن بعيد - أي قبل عصر ابن تيمية بكثير -، ولم يكن مقصود أئمة المذاهب منها إرضاء السلطان ولا نائبه أو التسهيل لهما، بل على العكس فيها تشديد كما هو ظاهر من نتيجتها.

اقتنع ابن تيمية ابتداء بعدم الإفتاء، وتوقف عنه، ثم رأى أنه لا ينبغي له السكوت عن الحق الذي أدى إليه اجتهاده، غير عابئٍ بالنتائج ..

هي مسألة كما ترى أكثر ما يقال فيها أنها مسألة خلافية، ومع هذا لا يرى أنه يسعه السكوت عليها ... وقضى من أجل قناعته زمنًا طويلًا في السجن .. فأين الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر الصراح؟؟ وأين من يتبجح باتباع ابن تيمية؟؟

الموقف الثاني: عندما غزى التتار بلاد الشام اجتمع نائب السلطان والأمراء، وقادة الجند والعلماء، ونظروا فيمن يبعثوا ليحث السلطان على المجيء لنصرة أهل الشام، وقع اختيارهم على ابن تيمية - ولم يكن له أي منصب في الدولة - لما يعلموا من جراءته في قول الحق والصدع به .. جاء هذا - وبخاصة - بعد هزيمة السلطان محمد بن قلاوون في السنة السابقة لسفارته (699هـ) وقف ابن تيمية موقفًا رجوليًا في وجه السلطان، رغم جبروته وقوته وسعت ملكه .. قال ابن كثير:"وقد سأله النائب والأمراء ان يركب على البريد إلى مصر يستحث السلطان على المجيء فساق وراء السلطان وكان السلطان قد وصل إلى الساحل فلم يدركه إلا وقد دخل القاهرة وتفارط الحال ولكنه استحثهم على تجهيز العساكر إلى الشام إن كان لهم به حاجة وقال لهم فيما قال: إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته أقمنا له سلطانا يحوطه ويحميه ويستغله في زمن الأمن ولم يزل بهم حتى جردت العساكر إلى الشام ثم قال لهم لو قدر إنكم لستم حكام الشام ولا ملوكه واستنصركم أهله وجب عليكم النصر فكيف وأنتم حكامه وسلاطينه وهم رعاياكم وانتم مسؤولون عنهم [3] ".

أزيد مفارقة ثالثة عن شجاعة ابن تيمية ومشاركته في القتال في الصفوف الأمامية فقد طلب من قائد الجيش في معركة شقحب - ضد التتار - أن يوقفه موقف الموت. فأخذه القائد - وكان التتار قد أقبلوا وبريق سيوفهم يلمع من بعيد والغبار منعقد فوق رؤوسهم - وأوقفه في مكان ينحدرون منه كالسيل وقال: هذا موقف الموت يا سيدي. قال القائد:"فرفع طرفه إلى السماء، وأشخص بصره، وحرك شفتيه طويلًا، ثم انبعث وأقدم على القتال .. ثم حال القتال بيننا والالتحام، وما عدت رأيته، حتى فتح الله ونصر .."وهو ما زال يقاتل ويتبع فلول التتار .. [4]

أين أدعياء محبة ابن تيمية، واتباع منهجه؟ ولماذا لا يقفون مواقفه الرجولية، ويتحدون الحكام وبخاصة في هذه الأيام الحوالك التي يقتل فيها أطفال الحجارة، بل والرضع من أهلنا في فلسطين، فضلا عن رزوح المسجد الأقصى، وبيت المقدس لأكثر من ثلاثين عامًا، وفلسطين لأكثر من خمسين عامًا تحت أقدام أبناء القردة والخنازير .. أين الرجال وأين العلماء؟؟!! أين الرجولة وأين أمانة العلم، بل وأين أثاره الفاعلة؟؟ .. وعلى العكس وجدنا ممن يتشدق باتباع ابن تيمية يفتي بتحريم ان يقوم المجاهدون بالعمليات البطولية والاستشهادية ضد اليهود إرضاء لأسياده الحكام الخونة - عفوًا الراشدين -!! أو جبنًا من أن يطالبهم بالقيام بواجبهم تجاه دماء الشهداء، وأرض الإسراء ...

أين من يدعون متابعة ابن تيمية؟! والموبقات العظيمة تقع في طول البلاد الإسلامية وعرضها، ونشر الرذيلة باسم الفن، وفتح حانات الخمور ومعاقل القمار باسم التحضر، وتشجيع المرابين بفتح البنوك الربوية - حتى جوار الحرمين الشرفيين - والترخيص لها - وهذا تحليل لمحرم معلوم من الدين بالضرورة - والقيام على حراستها، ومعاقبة من يتعرض لها، وتحريم الجهاد، وتقسيم البلاد الإسلامية، ونشر العداء بين أبنائها، وإحياء العصبيات، والقوميات النتنة، وتبديد أموال المسلمين ومقدراتهم، والتمكين للأمريكان وغيرهم في بلاد المسلمين حتى أصبحت كالمحميات، ليحمي - أعداء الأمة - عروش حكامنا من شعوبهم .. وغيرها كثير ...

أين هؤلاء العلماء من ابن تيمية؟؟ وأين صدحهم بالحق، ودفاعهم عنه، وحمايتهم لمحارمه .. أين أين؟؟ وليت الأدعياء سكتوا أو اعتزلوا، لا بل نشاهدهم يتبجحون، ويكيلون المديح والثناء لهؤلاء الحكام العملاء بمناسبة أو غير مناسبة، زيادة في تضليل شعوبهم .. ويقفون عثرة أمام دعاة الحق فتارة يفتون بسجنهم، وتارة بتحريم أعمالهم أو اتباعهم .. بحجة - خشيت - الفتنة .. وهل هناك أعظم فتنة مما هم عليه؟! وما آل إليه الأمر في بلاد المسلمين من تحكيم لقوانين الكفر وأهله، ومعاداة الله ودينه جهارًا نهارًا، في الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، وتجنيد المفكرين والسياسيين والإعلاميين والفنانين، وتمكينهم من وسائل الإعلام ليفتكوا بعقيدة الأمة، ودينها .. وصدق الله العظيم: (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَة سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ {49} ) ، التوبة.

ثم هذا جهاد ابن تيمية، فأين جهاد الأدعياء؟ هل رأيتهم يا أخي يجاهدون في فلسطين، أو في أفغانستان، أو في البوسنية وما حولها، أو في الشيشان، أو في كشمير، أو في الهند، أو في إسبانيا؟؟ وكلها بلاد إسلامية سلبها الأعداء من المسلمين، وعلماء الإسلام مجمعون على وجوب استردادها. ثم هل رأيتهم يجاهدون من أجل تحكيم شرع الله، أو من أجل توحيد ديار المسلمين؟؟ وهي أمور مجمع على وجوب القيام بها ..

أسأل الله العلي العظيم أن يفقهنا بديننا ويجعلنا من أهل البصيرة فيه ويرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه

وأسأله أن يردنا إلى ديننا ردًا جميلًا

اللهم أحينا سعداء، وأمتنا شهداء

وصلى الله وسلم على نبينا محمد إمام المصلحين وقائد المجاهدين وعلى آله الطاهرين وأصحابه الطيبين

[1] - يسر الله طبعها بعد ما منعت من الطبع من الحكومات الطاغوتية لأكثر من ست سنين عجاف، ومن أراد الحصول على نسخة منها فعليه الاتصال بالمؤلف.

[2] - ابن كثير، البداية والنهاية، 14/ 97.

[3] - الفكر السياسي عند ابن تيمية، ص 79، وابن كثير، البداية والنهاية، 14/ 14 - 15.

[4] - الفكر السياسي عند ابن تيمية، ص 38، والعقود الدرية، لابن عبد الهادي، ص 177 - 178.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت