ميراث أنبياء الله عليهم الصّلاة والسّلام، وهذهِ مُهمّة الرّسل والأصل -عليهم الصّلاة والسّلام- وهيَ من بعد مهمّةُ ورثَتِهم. وقد بلغ في ذلك -رَحِمَهُ الله- الغاية القُصوى.
والأمر الثاني الذي تميّز به شيخ الإسلام -رحمهُ الله-: الثّقة المُطلقة، والتّوكل التام، وقوة القلب، والثّقة بِهذا الدّين، وبِنصر الله -سُبحانه وتعالى-.
في معركة شُقْحُبْ، كان يقول لِلجيش: واللهِ إنّكم لَمنصورون. فيقولون: قُل إن شاء الله. فَيقول: إن شاء الله، تحقيقًا لا تعليقا. وكان يقول لهم: واللهِ إنّه لمكتوبٌ في اللوح المَحفوظ أنّكم منتصِرون. وكان كذلِك، وليس هذا مِنه -رَحِمَهُ الله- عِلمًا لِلغيب، ولا قراءةً لِما في اللوح المَحفوظ؛ لكِنّها الثّقة بِوعد الله، ونصره، وحسن الفّقه لسنن اللهِ، وسُنّتهِ في هذا الكون، وفي هذه الأُمّة -سُبحانه وتعالى-.
ومِمَا يُشبِهُ هذا أيضًا: أنّه في مِصر، سنة 708 هـ سُجِنَ، وكان السّلطان اسمه: قَلاون. جاء إلى الكرك هنا فانقلب عليه السّلطان سُمي: الجاشنكير بيبرس. وكان هذا الجاشنكير بيبرس مُعظِّمًا لابن عربي الصّوفي. فلمّا تكلّم شيخ الإسلام - رحمه الله - عن ابن عربي وكَفّره، وأظهر كُفرهِ وزندقتِه. غضب هذا السّلطان، ووزّه بعض الصّوفيّة، فَسَجن شيخ الإسلام -رحمه الله- في مصر، في القاهرة؛ ثُمّ بعد ذلك عزمَ على نقله إلى الأسكندريّة، والسبب في هذا: أنّ الأسكندريّة في تلك القترة كانت تموج بالصّابِئة، والفلاسِفة، والفِرَقِ الضّالة. فَطمعوا أن إذا ذهب إلى هُناك أن يَقتُلَهُ بعض هؤلاء، فيَرْتاحوا مِنه. فلمّا جاء الأمر بإخراجه -رَحِمَهُ الله- قال عن دولة الجاشنكير بيبرس: زالت أيّامه، وانتَهت رياستُه، وقرُبَ إنقِضاء أجله.
ويقول خادِمه:"لمّا كان بعد العصر، وجاء الأمر بإخراجِه، وقفت أبكي، فقال لي: لا تبكي، ما بقِيَت هذه المِحنة تُبطئ". ولمّا ركِبَ على باب الحبس، قال له رجلٌ: يا سيّدي، هذا مقام الصّبر. فقال: بل هذا مقام الحمد والشّكر، والله إنّه نازِل على قلبي مِنَ الفرحِ والسّرور شيء لو قُسِم على أهل الشّام ومِصر لَفضل عنهُم، ولو أنّ معي في هذا الموضع ذهبًا وأنفقته، ما أدّيت عُشر هذه النّعمة التي