وهذه الآيات من الوجه الثاني وهو اللفظ العام الوارد على سبب خاصٍّ، إلاَّ أنَّه رافقته قرينة تُوحي بالتخصيص، وهي قوله تعالى: (أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) ، ففيها تحريضٌ على قتالهم بأمورٍ مختصَّةٍ بهم، فقد يُفهم منه أنَّ العامَّ مرادٌ به الخصوص، ويُجاب عن هذا الفهم بأنَّ الله عزَّ وجلَّ ذكر الحكمَ وعلَّته التي عُلِّقَ بها وحكمته التي شُرع من أجلها فقال: (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) ؛ فالحكم القتال والعلَّة أنْ لا أيمان لهم والحكمة ردعهم لينتهوا عن كفرهم ونقضِهِمُ العهودَ، وهذا تقريرٌ للحكم تامٌّ مُستوفىً منقطعٌ عمَّا بعده، ثمَّ جاء ما بعدها مُفتتحًا بألا الاستفتاحية وهي مؤكِّدة لانفصال الكلام واستفتاحه بعد التَّمام، ونكَّر المأمور بقتالهم في قوله (قَوْمًا) ولم يُعرِّف فدلَّ على أنَّ الحكم مطلقٌ غير متعلِّق بسابقه وإنَّما سيق للتحريض على قتال هؤلاء المعيّنين والاستشهاد بوجود موجباتٍ له فيهم غيرِ الحكم المذكور قبله، واعتبر ذلك بما لو قال أحدٌ: إن أراد زيدٌ أخذ مالك فقاتله إنَّه صائلٌ لعله يندفع عنك. ألا تُقاتل رجلًا استباح حرماتك واعتدى على أموالك وآذاك في جميع أحوالك ولم يندفع إلا بقتالك له وقد قاتلك من قبل فيما ليس له فيه حقٌّ وآذاك في مالك وعرضك ونفسك ولو ظفر بك وقدر عليكَ ما توانى في قتلِك، وقد سعى في ذلك وحرص عليه من قبلُ ولا يزال يسعى في ضررك بكل طريقٍ.