الوجه الثالث: إظهار المضمر، في جواب الشرطِ في قوله تعالى: (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) ، والسياق يقتضي الإضمار فيُقال - في غير القرآن-: فقاتلوهم؛ وإظهار ما حقُّه الإضمار، كتقديم ما حقه التأخير؛ لا يكون إلاَّ لمعنىً فيما أُظهر أو قُدِّم استدعى الإظهار أو التقديم، ومما يُفيده إظهار المضمر: توكيد الخبر، والدلالة على استقلال الحكم باللفظ الظاهر وعدمِ تعلُّقه بما قبله، والدلالة على عموم الحكم لكل من شمله الاسم الظاهر، والدلالة على تعليل الحكم بالاسم الظاهر، وتسمية المعطوف عليه بهذا الاسم الظاهر أو وصفه به، وقد يُراد بعض هذه المعاني دون بعض، والمراد هنا والله أعلم الأخير، وهو تسمية المعطوف عليه بالإمامة في الكفر ووصفه بذلك الوصف وإثباته له، أمَّا التعليل أو التعميم أو التوكيد فغير مرادة كما في الفصل الثالث.
الإمام في اللغة (فِعَال) من الأَمِّ وهو القصدُ، ووزنُ فِعال يُستعمل في اللغة للدلالة على المشتمل على أشياء، قال ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد في الفائدة الثالثة من عشرين فائدة ذكرها في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) :
"وبنوا الصِّراط على زنة فِعَال لأنه مشتملٌ على سالكه .. وهذا الوزن كثيرٌ في المشتملات على الأشياء، كاللحاف والخمار والرداء والغطاء والفراش والكتاب إلى سائر الباب."
ويأتي لثلاثة معان أحدها: المصدر كالقتال والضِّراب، والثاني المفعول نحو الكتاب والبناء والغراس، والثالث أن يُقصَد به قصدُ الآلة التي يحصل بها الفعل ويقع بها كالخمار والغطاء والسِّداد لما يُخمَّر به ويغطي ويسد به، فهذا آلة محضة والمفعول هو الشيء المخمر والمغطى والمسدود"، انتهى كلامه رحمه الله."