-وقولُهُ: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [1] .
فهذِه الآيةُ نزلتْ قبلَ الأمرِ بالجِهادِ، فهي جِهَادٌ عامٌّ في دِينِ اللهِ وطلبِ مرضاتِه [2] .
قالَ ابنُ عطِيَّةَ الأندَلُسيُّ - رحمه الله:"ليسَ الجِهَادُ في الآيَةِ قِتالَ الكُفَّارِ فقط، بل هو نَصرُ الدِّينِ، والرَّدُّ على المُبطِلِينَ، وقَمعُ الظالمينَ، وعُظْمُهُ الأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عَن المُنكَرِ" [3] .
-وكذلك مَا جَاء في الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو أنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَاذِنُهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: (( أَحَيٌّ وَالِدَاكَ ) )؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (( فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ ) ) [4] .
قالَ ابنُ حَجَرٍ - رحمه الله:"أي: إنْ كانَ لك أبَوَانِ فأبلغ جهْدَكَ في بِرِّهِمَا والإحسَانِ إليهِمَا" [5] .
إلا أنَّ الفقهاءَ - كما تقدَّم - خصُّوا الجِهادَ في تعريفاتِهم ببذلِ الجُهدِ في قتالِ الكفارِ [6] .
أما شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ - رحمه الله - فقَدْ عرَّفَهُ بتعريفٍ شَاملٍ لهذه المعاني كلِّها، فقالَ:"وَالْجِهَادُ هُوَ بَذْلُ الْوُسْعِ، وَهُوَ الْقُدْرَةُ فِي حُصُولِ مَحْبُوبِ الْحَقِّ وَدَفْعِ مَا يَكْرَهُهُ الْحَقُّ ... وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجِهَادَ حَقِيقَتُهُ الِاجْتِهَادُ فِي حُصُولِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ وَمِنْ دَفْعِ مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ" [7] .
ومما يُلحَظُ عَلَى ما سَبَقَ:
-أنَّ جميعَ معاني لفظةِ (الجهادِ) مع تَعدُّدِهَا لا تخرُجُ عن كونِها بَذْلٌ للوُسعِ والطَّاقةِ في مُدَافَعَةِ كلِّ عَدوٍّ يَبغِي انحِرَافَ الإنسانَ عن طَرِيقِ اللهِ عزَّ وَجَلَّ بِغضِّ النَّظرِ عَنْ طَرِيقِ البذْلِ والمُدَافَعَةِ وصِنْفِ العَدوِّ المُدَافَعِ، فيَدخُلُ في هذا جِهَادُ النَّفسِ والشَّيْطانِ والكفارِ.
-أنَّ لَفظَةَ (الجِهَادِ) هي الأكثرُ وُرُودًا في الكِتَابِ والسُّنَّةِ عَلَى خِلافِ لَفظَةِ (الحَرْب) ، ولعلَّ السرَّ في هذا هو أنَّ الحربَ غالبًا ما تكونُ للعُدوَانِ المحضِ، على خِلافِ الجِهَادِ فهو قِتَالٌ شَريفةٌ بواعِثُهُ، نبيلةٌ أهدافُهُ ومقاصِدُهُ، ولا يكون إلا في سبيلِ الله ولإعلاءِ كَلِمةِ اللهِ والذَّودِ عن حُرُماتِه [8] ، فهو جَائزٌ شَرْعًا وعَقْلًا.
(1) العنكبوت (69) .
(2) انظر: تفسير ابن عطية (1469) .
(3) تفسير ابن عطية (1469) .
(4) البخاري (3004/ 5972) ، مسلم (6668) واللفظ له.
(5) فتح الباري، ابن حجر (10/ 403) .
(6) انظر: الجهاد في التشريع الإسلامي، محمود محمد علي (20) .
(7) مجموع الفتاوى، ابن تيمية (10/ 191 - 192 - 193) .
(8) انظر: الجهاد في التشريع الإسلامي، محمود محمد علي (20 - 21) .