-يُقَابِلُهُ مَوْقِفٌ عَظِيمٌ مِنْ مَوَاقِفِ السُّمُوِّ وَالْإِبَاءِ وَالتَّمَسُّكِ بِالْحَقِّ مَهْمَا اشْتَدَّتْ الْفِتْنَةُ وَعَظُمَ الْبَلَاءُ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى هَذَا التَّرْجِيحِ بِمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ مِنْ {أَنَّ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ أَكْرَهَ رَجُلَيْنِ - مِنْ الْمُسْلِمِينَ - عَلَى الْكُفْرِ فَنَطَقَ أَحَدُهُمَا بِكَلِمَتِهِ فَنَجَا , وَأَصَرَّ الْآخَرُ عَلَى الْجَهْرِ بِالْحَقِّ فَهَلَكَ , فَقَالَ فِيهِمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ أَنْ بَلَغَهُ خَبَرُهُمَا: أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ أَخَذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ تَعَالَى , وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ صَدَعَ بِالْحَقِّ فَهَنِيئًا لَهُ} . 2 - مَا أَبَاحَهُ الشَّرْعُ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُحَرِّمِ وَتَرَاخِي الْحُرْمَةِ: مِثْلُ الْإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسَافِرِ , فَإِنَّ السَّبَبَ الْمُحَرِّمَ لِلْإِفْطَارِ - وَهُوَ شُهُودُ الشَّهْرِ - قَائِمٌ , لَكِنْ وُجُوبُ الصَّوْمِ أَوْ حُرْمَةُ الْإِفْطَارِ غَيْرُ قَائِمَةٍ عَلَى الْفَوْرِ بَلْ ثَابِتَةٌ عَلَى التَّرَاخِي بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ. قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} . وَالْعَمَلُ بِالْعَزِيمَةِ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِالرُّخْصَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ , أَيْ الصَّوْمُ أَوْلَى مِنْ الْإِفْطَارِ عِنْدَهُمْ. أَوَّلًا: لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ - وَهُوَ شُهُودُ الشَّهْرِ - كَانَ قَائِمًا , وَتَرَاخِي الْحُكْمِ بِالْأَجَلِ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ التَّعْجِيلِ , مِثْلَمَا هُوَ الْأَمْرُ فِي الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ , فَكَانَ الْمُؤَدِّي لِلصَّوْمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَامِلًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي أَدَاءِ الْفَرْضِ , وَالْمُتَرَخِّصُ بِالْفِطْرِ عَامِلًا لِنَفْسِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى التَّرْفِيهِ , فَقَدَّمَ حَقَّ اللَّهِ وَهُوَ أَحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ. ثَانِيًا: لِأَنَّ فِي الْأَخْذِ بِالْعَزِيمَةِ نَوْعَ يُسْرٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي شَهْرِ الصِّيَامِ أَيْسَرُ مِنْ التَّفَرُّدِ بِهِ بَعْدَ مُضِيِّ الشَّهْرِ. هَذَا إذَا لَمْ يُضْعِفْهُ الصَّوْمُ , فَإِذَا أَضْعَفَهُ كَانَ الْفِطْرُ أَوْلَى , فَإِنْ صَبَرَ حَتَّى مَاتَ كَانَ آثِمًا بِلَا خِلَافٍ. وَقَدْ رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ الْأَخْذَ بِالرُّخْصَةِ فِي هَذَا الْمِثَالِ , وَالْجَمِيعُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ إدْرَاكِ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ رَمَضَانَ. وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ أَخَذَ بِالْعَزِيمَةِ فَصَامَ فِي السَّفَرِ وَقَعَ صِيَامُهُ فِي الْفَرْضِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. الْقِسْمِ الثَّانِي: رُخَصٌ مَجَازِيَّةٌ: 14 - وَتُسَمَّى أَيْضًا - فِي اصْطِلَاحِهِمْ: رُخَصُ الْإِسْقَاطِ , وَقَدْ قَسَّمُوهَا - كَذَلِكَ - إلَى قِسْمَيْنِ فَرْعِيَّيْنِ: 1 - مَا وُضِعَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ - رَحْمَةً بِهَا وَإِكْرَامًا لِنَبِيِّهَا صلى الله عليه وسلم - مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّاقَّةِ الَّتِي كَانَتْ مَفْرُوضَةً عَلَى الْأُمَمِ السَّابِقَةِ مِثْلَ: - قَتْلِ النَّفْسِ لِصِحَّةِ التَّوْبَةِ - قَرْضِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ مِنْ الْجِلْدِ وَالثَّوْبِ. 2 - مَا سَقَطَ عَنْ الْعِبَادِ مَعَ كَوْنِهِ مَشْرُوعًا فِي الْجُمْلَةِ: فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ سَقَطَ كَانَ مَجَازًا , وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ كَانَ شَبِيهًا بِالرُّخَصِ الْحَقِيقِيَّةِ , مِثْلَ السَّلَمِ وَمَا قَارَبَهُ مِنْ الْعُقُودِ الَّتِي أُبِيحَتْ لِلْحَاجَةِ إلَيْهَا , وَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ أُصُولٍ مَمْنُوعَةٍ , فَمِنْ حَيْثُ اسْتِثْنَاؤُهَا مِمَّا ذُكِرَ سَقَطَ الْمَنْعُ مِنْهَا فَشَابَهَتْ مَا وُضِعَ عَنَّا مِنْ الْأَغْلَالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الْأُمَمِ السَّابِقَةِ , فَكَانَتْ رُخَصًا مَجَازِيَّةً مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ إذْ لَيْسَ فِي مُقَابَلَتِهَا عَزَائِمُ , وَمِنْ حَيْثُ إنَّ أُصُولَهَا مَشْرُوعَةٌ وَأَنَّ بَعْضَ الشُّرُوطِ الَّتِي تَجَاوَزَ عَنْهَا الشَّرْعُ مِنْ أَجْلِ التَّخْفِيفِ وَالْمَصْلَحَةُ مَا زَالَتْ قَائِمَةً فِي تِلْكَ الْأُصُولِ أَشْبَهَتْ الرُّخَصَ الْحَقِيقِيَّةَ , وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ اُعْتُبِرَ هَذَا الْقِسْمُ أَقْرَبُ إلَى الرُّخَصِ الْحَقِيقِيَّةِ مِنْ سَابِقِهِ , وَاعْتُبِرَ السَّابِقُ أَتَمَّ فِي الْمَجَازِيَّةِ مِنْ هَذَا. وَهَذَا الْقِسْمُ يُرَادِفُ الرُّخَصَ الْمُبَاحَةَ فِي تَقْسِيمِ الشَّافِعِيَّةِ. وَالْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ - الْحَاصِلَةُ بَعْدَ تَقْسِيمِ كُلٍّ مِنْ الْقِسْمَيْنِ الرَّئِيسِيَّيْنِ إلَى قِسْمَيْنِ فَرْعِيَّيْنِ - لَا تَبْعُدُ كَثِيرًا عَنْ الْإِطْلَاقَاتِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّاطِبِيُّ.