فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 130

ابْتِدَاءً , أَوْ نَسْخًا لِتَحْرِيمٍ , أَوْ تَخْصِيصًا مِنْ نَصٍّ مُحَرِّمٍ. وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ رحمه الله تعالى أَنَّ الْعَزِيمَةَ اسْمٌ لِمَا هُوَ أَصْلٌ مِنْ الْأَحْكَامِ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالْعَوَارِضِ. وَالرُّخْصَةُ اسْمٌ لَمَا بُنِيَ عَلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ , وَهُوَ مَا يُسْتَبَاحُ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرِّمِ وَذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ أَنَّ الرُّخْصَةَ تَرْكُ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْفِعْلِ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرِّمِ , وَحُرْمَةُ الْفِعْلِ وَتَرْكُ الْمُؤَاخَذَةِ بِتَرْكِ الْفِعْلِ مَعَ وُجُودِ الْمُوجِبِ وَالْوُجُوبِ وَفِي الْمِيزَانِ أَنَّ الرُّخْصَةَ اسْمٌ لِمَا تَغَيَّرَ عَنْ الْأَمْرِ الْأَصْلِيِّ إلَى تَخْفِيفٍ وَيُسْرٍ تَرَفُّهًا وَتَوْسِعَةً عَلَى أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ وَقَالَ الْعَزِيمَةُ مَا لَزِمَ الْعِبَادَ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَالرُّخْصَةُ مَا وَسِعَ لِلْمُكَلَّفِ فِعْلُهُ بِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرِّمِ. (قَوْلُهُ: وَهِيَ إمَّا فَرْضٌ) حَصَرَ الْعَزِيمَةَ فِي الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ وَالنَّفَلِ يَعْنِي قَبْلَ وُرُودِ الرُّخْصَةِ , وَأَمَّا بَعْدَهُ فَقَدْ تَكُونُ الْعَزِيمَةُ حَرَامًا كَصَوْمِ الْمَرِيضِ إذَا خَافَ الْهَلَاكَ , فَإِنَّ تَرْكَهُ وَاجِبٌ فَعَلَى هَذَا لَا تَكُونُ الْعَزِيمَةُ قَبْلَ وُرُودِ الرُّخْصَةِ مُبَاحًا , وَلَا حَرَامًا , وَلَا مَكْرُوهًا أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُبَاحًا لَكَانَتْ الرُّخْصَةُ أَيْضًا مُبَاحًا وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَصْلِيًّا وَالْآخَرُ مَبْنِيًّا عَلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ , وَأَمَّا الثَّانِي وَالثَّالِثُ فَلِأَنَّ الْحُكْمَ الْأَصْلِيَّ لَوْ كَانَ حُرْمَةً , أَوْ كَرَاهَةً لَكَانَ الطَّرَفُ الْمُقَابِلُ فِي أَصْلِهِ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا , وَهُوَ لَا يَصْلُحُ لِلِابْتِنَاءِ عَلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ إذْ الْمُنَاسِبُ لِلْعُذْرِ , هُوَ التَّرْفِيهُ وَالتَّوْسِعَةُ لَا التَّضْيِيقُ , فَلَا يَكُونُ رُخْصَةً , فَلَا يَكُونُ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ الَّذِي هُوَ الْحُرْمَةُ , أَوْ الْكَرَاهَةُ عَزِيمَةً ; لِأَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ فِي مُقَابَلَةِ الرُّخْصَةِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الطَّرَفَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْعَزِيمَةُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ رَاجِحًا عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ الرُّخْصَةُ لَا مُسَاوِيًا لَهُ لِيَكُونَ مُبَاحًا , وَلَا مَرْجُوحًا لِيَكُونَ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا وَالرَّاجِحُ إمَّا فَرْضٌ , أَوْ وَاجِبٌ , أَوْ سُنَّةٌ , أَوْ نَفْلٌ كَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى. وَفِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَزِيمَةَ لَوْ كَانَتْ إبَاحَةً لَكَانَتْ الرُّخْصَةُ أَيْضًا كَذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ وُجُوبًا , أَوْ نَدْبًا إذْ الْعُذْرُ قَدْ يُنَاسِبُهُ الْإِيجَابُ كَأَكْلِ مَالِهِ عِنْدَ خَوْفِ تَلَفِ نَفْسِهِ , وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَزِيمَةَ لَوْ كَانَتْ حُرْمَةً , أَوْ كَرَاهَةً لَكَانَ الطَّرَفُ الْآخَرُ وُجُوبًا , أَوْ نَدْبًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ إبَاحَةً كَمَا فِي إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى اللِّسَانِ , فَإِنَّهُ حَرَامٌ وَيُبَاحُ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ. وَكَثِيرٌ مِنْ الرُّخَصِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ , وَلَوْ سَلِمَ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوُجُوبَ , أَوْ النَّدْبَ لَا يُنَاسِبُ الِابْتِنَاءَ عَلَى الْأَعْذَارِ كَوُجُوبِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ , أَوْ نَدْبِ إفْطَارِ الْمَرِيضِ عِنْدَ بَعْضِ الْأَضْرَارِ لَا يُقَالُ: الْعَزِيمَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ تُرْجِعُ الْوُجُوبَ كَوُجُوبِ تَرْكِ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَوُجُوبِ تَرْكِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ , فَإِنَّ الْفَرْضَ قَدْ يَكُونُ هُوَ الْفِعْلُ كَالصَّوْمِ , وَقَدْ يَكُونُ هُوَ التَّرْكُ كَتَرْكِ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ ; لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا تَاوِيلٌ لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ وَمَعَ ذَلِكَ , فَهُوَ غَيْرُ مُفِيدٍ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي حُكْمِ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ , وَلَا شَكَّ أَنَّهُ الْحُرْمَةُ لَا الْوُجُوبُ وَاسْتِلْزَامُهُ لِوُجُوبِ التَّرْكِ لَا يَنْفِي كَوْنَهُ الْحُرْمَةَ وَإِلَّا لَارْتَفَعَتْ الْحُرْمَةُ مِنْ بَيْنِ الْأَحْكَامِ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَزِيمَةَ تَشْتَمِلُ الْأَحْكَامَ كُلَّهَا عَلَى مَا قَالَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ بَعْدَ تَقْسِيمِ الْأَحْكَامِ إلَى الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ وَالنَّفَلِ وَالْمُبَاحِ وَالْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ وَغَيْرِهَا إنَّ الْعَزِيمَةَ اسْمٌ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ فِي الشَّرْعِ عَلَى الْأَقْسَامِ الَّتِي ذَكَرْنَا مِنْ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ وَالنَّفَلِ وَنَحْوِهَا. (

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت