فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 130

وقولة المنافقين والذين في قلوبهم مرض، عن العصبة المسلمة يوم بدر: غر هؤلاء دينهم. . هي قولة المنافقين والذين في قلوبهم مرض كلما رأوا العصبة المسلمة تتعرض لجحافل الطاغوت في عنفوانه؛ وعدتها الأساسية التي تملكها هي هذا الدين؛ وهي هذه العقيدة الدافعة الدافقة؛ وهي الغيرة على ألوهية الله وعلى حرمات الله؛ وهي التوكل على الله والثقة بنصره لأوليائه.

إن المنافقين والذين في قلوبهم مرض يقفون ليتفرجوا والعصبة المسلمة تصارع جحافل الطاغوت، وفي نفوسهم سخرية من هذه العصبة التي تتصدى للخطر، وتستخف بالخطر! وفي نفوسهم عجب كذلك ودهشة في اقتحام العصبة المسلمة للمكاره الظاهرة، وللأخطار الواضحة. . إنهم هم لا يعرفون مبررًا لهذا التهور - كما يسمونه - وللإلقاء بالنفس إلى التهلكة!. . إنهم يحسبون الحياة كلها - بما فيها الدين والعقيدة - صفقة في سوق التجارة. إن كانت ظاهرة الربح أقدموا عليها؛ فأما إذا كان الخطر فالسلامة أولى!. . إنهم لا يدركون الأمور ببصيرة المؤمن، ولا يزنون النتائج كذلك بميزان الإيمان. . إنها في حس المؤمن وميزانه صفقة رابحة دائمًا؛ فهي مؤدية الى إحدى الحسنيين: النصر والغلب، أو الشهادة والجنة. . ثم إن حساب القوى في نفسه يختلف؛ فهناك الله. . وهذا مالا يدخل في حساب المنافقين والذين في قلوبهم مرض!

والعصبة المسلمة في كل مكان وفي كل زمان مدعوة إلى أن تزن بميزان الإيمان والعقيدة؛ وأن تدرك ببصيرة المؤمن وقلبه، وأن ترى بنور الله وهداه، وألا تتعاظمها قوى الطاغوت الظاهرة، وألا تستهين بقوتها ووزنها فإن معها الله، وأن تلقي بالها دائما إلى تعليم الله سبحانه للمؤمنين:

ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم. . . . وصدق الله العظيم. .

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:

فإذا طال الأمد، وأبطأ نصر الله، كانت الفتنة أشد وأقسى. وكان الابتلاء أشد وأعنف. ولم يثبت إلا من عصم الله. وهؤلاء هم الذين يحققون في أنفسهم حقيقة الإيمان، ويؤتمنون على تلك الأمانة الكبرى، أمانة السماء في الأرض، وأمانة الله في ضمير الإنسان.

وما بالله - حاشا لله - أن يعذب المؤمنين بالابتلاء، وأن يؤذيهم بالفتنة. ولكنه الإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة. فهي في حاجة إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة العملية للمشاق؛ وإلا بالاستعلاء الحقيقي على الشهوات، وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام، وإلا بالثقة الحقيقية في نصر الله أو في ثوابه، وعلى الرغم من طول الفتنة وشدة الابتلاء.

والنفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث؛ وتستجيش كامن قواها المذخورة فتستيقظ وتتجمع. وتطرقها بعنف وشدة فيشتد عودها ويصلب ويصقل. وكذلك تفعل الشدائد بالجماعات، فلا يبقى صامدا إلا أصلبها عودا؛ وأقواها طبيعة، وأشدها اتصالا بالله، وثقة فيما عنده من الحسنيين: النصر أو الأجر، وهؤلاء هم الذين يسلمون الراية في النهاية. مؤتمنين عليها بعد الاستعداد والاختبار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت