فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 130

بِهِ فَهُوَ عَاصٍ وَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ الْمَعْصِيَةِ , وَهَذَا فَرْقٌ بَيْنَ نَبِيِّ اللَّهِ وَبَيْنَ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْوُلَاةِ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ , وَفِي كُلِّ مَا وَصَفْت دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْقِدَ عَقْدًا غَيْرَ مُبَاحٍ لَهُ وَعَلَى أَنَّ عَلَيْهِ إذَا عَقَدَهُ أَنْ يَفْسَخَهُ ثُمَّ تَكُونَ طَاعَةُ اللَّهِ فِي نَقْضِهِ , فَإِنْ قِيلَ: فَمَا يُشْبِهُ هَذَا؟ قِيلَ لَهُ: هَذَا مِثْلُ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ} {وَأَسَرَ الْمُشْرِكُونَ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ وَأَخَذُوا نَاقَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَانْطَلَقَتْ الْأَنْصَارِيَّةُ عَلَى نَاقَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَنَذَرَتْ إنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهَا أَنْ تَنْحَرَهَا فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ , وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ} . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) رحمه الله تعالى يَعْنِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ لَا نَذْرَ يُوَفَّى بِهِ فَلَمَّا دَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى إبْطَالِ النَّذْرِ فِيمَا يُخَالِفُ الْمُبَاحَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ دَلَّ عَلَى إبْطَالِهِ الْعُقُودَ فِي خِلَافِ مَا يُبَاحُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ , أَلَا تَرَى أَنَّ نَحْرَ النَّاقَةِ لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً لَوْ كَانَتْ لَهَا فَلَمَّا كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَنَذَرَتْ نَحْرَهَا كَانَ نَحْرُهَا مَعْصِيَةً بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا فَبَطَلَ عَنْهَا عَقْدُ النَّذْرِ , وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الْأَيْمَانِ {لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ , وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ} وَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَاتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ} فَأَعْلَمَ أَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يَفِيَ بِالْيَمِينِ إذَا رَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا وَأَنْ يُكَفِّرَ بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْكَفَّارَةِ وَكُلُّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُوَفَّى بِكُلِّ عَقْدِ نَذْرٍ وَعَهْدٍ لِمُسْلِمٍ , أَوْ مُشْرِكٍ كَانَ مُبَاحًا لَا مَعْصِيَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ فَأَمَّا مَا فِيهِ لِلَّهِ مَعْصِيَةٌ فَطَاعَةُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي نَقْضِهِ إذَا مَضَى , وَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْقِدَهُ.

وقال الجصاص في أحكام القرآن:

قوله تعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} قَالَ أَبُو بَكْرٍ ابْتِدَاءُ السُّورَةِ يَذْكُرُ قَطْعَ الْعَهْدِ بَيْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: {بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ} وَقَدْ قِيلَ: إنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ عَهْدٌ فَغَدَرُوا وَأَسَرُّوا وَهَمُّوا بِهِ فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِالنَّبْذِ إلَيْهِمْ ظَاهِرًا , وَفَسَخَ لَهُمْ فِي مُدَّةٍ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ بِقَوْلِهِ: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} وَقِيلَ: إنَّهُ أَرَادَ الْعَهْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ عَامَّةً فِي أَنْ لَا يُمْنَعَ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ دُخُولِهِ مَكَّةَ لِلْحَجِّ , وَأَنْ لَا يُقَاتِلُوا , وَلَا يَقْتُلُوا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ , فَكَانَ قَوْلُهُ: {بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} فِي أَحَدِ هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ , ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ هَؤُلَاءِ قَوْمًا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَهْدٌ خَاصٌّ , وَلَمْ يَغْدِرُوا , وَلَمْ يَهُمُّوا بِهِ فَقَالَ: {إلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ} فَفَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلَى عَهْدِهِمْ , وَلَمْ يَنْقُصُوهُمْ , وَلَمْ يُعَاوِنُوا أَعْدَاءَهُمْ عَلَيْهِمْ , وَأَمَرَ بِإِتْمَامِ عَهْدِهِمْ إلَى مُدَّتِهِمْ , وَأَمَرَ بِالنَّبْذِ إلَى الْأَوَّلِينَ , وَهُمْ أَحَدُ فَرِيقَيْنِ مَنْ غَادَرَ قَاصِدًا إلَيْهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ عَهْدٌ خَاصٌّ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ بَلْ فِي دُخُولِ مَكَّةَ لِلْحَجِّ وَالْأَمَانِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الَّذِي كَانَ يَامَنُ فِيهِ جَمِيعُ النَّاسُ. وقوله تعالى: وَلَمْ يُظَاهِرُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت