فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 130

إنه يعدهم هنا شيئا واحدا. هو ما عند الله. فهذا هو الأصل في هذه الدعوة. وهذه هي نقطة الانطلاق في هذه العقيدة: التجرد المطلق من كل هدف ومن كل غاية، ومن كل مطمع - حتى رغبة المؤمن في غلبة عقيدته وانتصار كلمة الله وقهر أعداء الله - حتى هذه الرغبة يريد الله أن يتجرد منها المؤمنون، ويكلوا أمرها إليه، وتتخلص قلوبهم من أن تكون هذه شهوة لها ولو كانت لا تخصها!

هذه العقيدة: عطاء ووفاء وأداء. . فقط. وبلا مقابل من أعراض هذه الأرض، وبلا مقابل كذلك من نصر وغلبة وتمكين واستعلاء. . ثم انتظار كل شيء هناك!

ثم يقع النصر، ويقع التمكين، ويقع الاستعلاء. . ولكن هذا ليس داخلا في البيعة. ليس جزءا من الصفقة. ليس في الصفقة مقابل في هذه الدنيا. وليس فيها إلا الأداء والوفاء والعطاء. . والابتلاء. .

على هذا كانت البيعة والدعوة مطاردة في مكة؛ وعلى هذا كان البيع والشراء. ولم يمنح الله المسلمين النصر والتمكين والاستعلاء؛ ولم يسلمهم مقاليد الأرض وقيادة البشرية، إلا حين تجردوا هذا التجرد، ووفوا هذا الوفاء:

قال محمد بن كعب القرظي وغيره: قال عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - لرسول الله [صلى الله عليه وسلم] يعني ليلة العقبة [ونقباء الأوس والخزرج يبايعونه [صلى الله عليه وسلم] على الهجرة إليهم]:اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا. وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. قال: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: الجنة. . قالوا: ربح البيع. ولا نقيل ولا نستقيل. . هكذا. ."الجنة". . والجنة فقط! لم يقل. . النصر والعز والوحدة. والقوة. والتمكين. والقيادة. والمال. والرخاء - مما منحهم الله وأجراه على أيديهم - فذلك كله خارج عن الصفقة!

وهكذا. . ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل. . لقد أخذوها صفقة بين متبايعين؛ أنهي أمرها، وأمضي عقدها. ولم تعد هناك مساومة حولها!

وهكذا ربى الله الجماعة التي قدر أن يضع في يدها مقاليد الأرض، وزمام القيادة، وسلمها الأمانة الكبرى بعد أن تجردت من كل أطماعها، وكل رغباتها، وكل شهواتها، حتى ما يختص منها بالدعوة التي تحملها، والمنهج الذي تحققه، والعقيدة التي تموت من أجلها. فما يصلح لحمل هذه الأمانة الكبرى من بقي له أرب لنفسه في نفسه، أو بقيت فيه بقية لم تدخل في السلم كافة.

وقبل ختام السورة يعود السياق إلى أهل الكتاب، فيقرر أن فريقا منهم يؤمن إيمان المسلمين، وقد انضم إلى موكب الإسلام معهم. وسار سيرتهم. وله كذلك جزاؤهم: ... وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم، وما أنزل إليهم. خاشعين لله، لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا. أولئك لهم أجرهم عند ربهم. إن الله سريع الحساب.

إنه الحساب الختامي مع أهل الكتاب. وقد ذكر من طوائفهم ومواقفهم فيما سبق من السورة الكثير. ففي معرض الإيمان، وفي مشهد الدعاء والاستجابة، يذكر كذلك أن من أهل الكتاب من سلكوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت