الْآبَاءِ وَأَهْلِ الْمَدَنِيَّةِ وَإِنَّمَا يَنْظُرُ الْعَاقِلُ فِيمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَفِي مَا اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَيُعَامِلُ اللَّهَ تَعَالَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى بِالِاعْتِقَادِ الصَّحِيحِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُظْهِرَ كُلَّ مَا فِي نَفْسِهِ لِكُلِّ أَحَدٍ: فَيَنْتَفِعُ هُوَ بِذَلِكَ الْقَدْرِ. وَإِنْ رَأَيْت مِنْ الْمُلْكِ رَغْبَةً فِي الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ كَاتَبْته وَجَاوَبْته عَنْ مَسَائِلَ يَسْأَلُهَا وَقَدْ كَانَ خَطَرَ لِي أَنْ أَجِيءَ إلَى قُبْرُصَ لِمَصَالِحَ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا؛ لَكِنْ إذَا رَأَيْت مِنْ الْمَلِكِ مَا فِيهِ رِضَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَامَلْته بِمَا يَقْتَضِيهِ عَمَلُهُ؛ فَإِنَّ الْمَلِكَ وَقَوْمَهُ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَظْهَرَ مِنْ مُعْجِزَاتِ رُسُلِهِ عَامَّةً وَمُحَمَّدٍ خَاصَّةً: مَا أَيَّدَ بِهِ دِينَهُ وَأَذَلَّ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ. وَلَمَّا قَدِمَ مُقَدِّمُ الْمَغُولِ غازان وَأَتْبَاعُهُ إلَى دِمَشْقَ وَكَانَ قَدْ انْتَسَبَ إلَى الْإِسْلَامِ؛ لَكِنْ لَمْ يَرْضَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ بِمَا فَعَلُوهُ؛ حَيْثُ لَمْ يَلْتَزِمُوا دِينَ اللَّهِ وَقَدْ اجْتَمَعَتْ بِهِ وَبِأُمَرَائِهِ وَجَرَى لِي مَعَهُمْ فُصُولٌ يَطُولُ شَرْحُهَا؛ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ قَدْ بَلَغَتْ الْمَلِكَ؛ فَأَذَلَّهُ اللَّهُ وَجُنُودَهُ لَنَا حَتَّى بَقِينَا نَضْرِبُهُمْ بِأَيْدِينَا وَنَصْرُخُ فِيهِمْ بِأَصْوَاتِنَا. وَكَأَنَّ مَعَهُمْ صَاحِبَ سَيَسَ مِثْلُ أَصْغَرِ غُلَامٍ يَكُونُ حَتَّى كَانَ بَعْضَ الْمُؤَذِّنِينَ الَّذِينَ مَعَنَا يَصْرُخُ عَلَيْهِ وَيَشْتُمُهُ وَهُوَ لَا يَجْتَرِئُ أَنْ يُجَاوِبَهُ حَتَّى إنَّ وُزَرَاءَ غازان ذَكَرُوا مَا يَنُمُّ عَلَيْهِ مِنْ فَسَادِ النِّيَّةِ لَهُ وَكُنْت حَاضِرًا لَمَّا جَاءَتْ رُسُلُكُمْ إلَى نَاحِيَةِ السَّاحِلِ وَأَخْبَرَنِي التَّتَارُ بِالْأَمْرِ الَّذِي أَرَادَ صَاحِبُ سِيسَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ فِيهِ حَيْثُ مَنَاكُمْ بِالْغُرُورِ وَكَانَ التَّتَارُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ شَتِيمَةٍ لِصَاحِبِ سِيسَ وَإِهَانَةٍ لَهُ؛ وَمَعَ هَذَا فَإِنَّا كُنَّا نُعَامِلُ أَهْلَ مِلَّتِكُمْ بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ وَالذَّبِّ عَنْهُمْ. وَقَدْ عَرَفَ النَّصَارَى كُلُّهُمْ أَنِّي لَمَّا خَاطَبْت التَّتَارَ فِي إطْلَاقِ الْأَسْرَى وَأَطْلَقَهُمْ غازان وقطلو شاه وَخَاطَبْت مَوْلَايَ فِيهِمْ فَسَمَحَ بِإِطْلَاقِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ لِي: لَكِنَّ مَعَنَا نَصَارَى أَخَذْنَاهُمْ مِنْ الْقُدْسِ فَهَؤُلَاءِ لَا يُطْلِقُونَ. فَقُلْت لَهُ: بَلْ جَمِيعُ مَنْ مَعَك مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ ذِمَّتِنَا؛ فَإِنَّا نُفْتِكَهُمْ وَلَا نَدَعُ أَسِيرًا لَا مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ وَلَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَأَطْلَقْنَا مِنْ النَّصَارَى مَنْ شَاءَ اللَّهُ. فَهَذَا عَمَلُنَا وَإِحْسَانُنَا وَالْجَزَاءُ عَلَى اللَّهِ. وَكَذَلِكَ السَّبْيُ الَّذِي بِأَيْدِينَا مِنْ النَّصَارَى يَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ إحْسَانَنَا وَرَحْمَتَنَا وَرَافَتَنَا بِهِمْ؛ كَمَا أَوْصَانَا خَاتَمُ الْمُرْسَلِينَ حَيْثُ قَالَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ: {الصَّلَاةُ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} . وَمَعَ خُضُوعِ التَّتَارِ لِهَذِهِ الْمِلَّةِ وَانْتِسَابِهِمْ إلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ؛ فَلَمْ نُخَادِعْهُمْ وَلَمْ نُنَافِقْهُمْ؛ بَلْ بَيَّنَّا لَهُمْ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْفَسَادِ وَالْخُرُوجِ عَنْ الْإِسْلَامِ الْمُوجِبِ لِجِهَادِهِمْ وَأَنَّ جُنُودَ اللَّهِ الْمُؤَيَّدَةَ وَعَسَاكِرَهُ الْمَنْصُورَةَ الْمُسْتَقِرَّةَ بِالدِّيَارِ الشَّامِيَّةِ وَالْمِصْرِيَّةِ: مَا زَالَتْ مَنْصُورَةٌ عَلَى مَنْ نَاوَأَهَا. مُظَفَّرَةً عَلَى مَنْ عَادَاهَا. وَفِي هَذِهِ الْمُدَّةِ لَمَّا شَاعَ عِنْدَ الْعَامَّةِ أَنَّ التَّتَارَ مُسْلِمُونَ أَمْسَكَ الْعَسْكَرَ عَنْ قِتَالِهِمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا وَلَمْ يَقْتُلْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِائَتَانِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ الْعَسْكَرُ إلَى مِصْرَ وَبَلَغَهُ مَا عَلَيْهِ هَذِهِ الطَّائِفَةُ الْمَلْعُونَةُ مِنْ الْفَسَادِ وَعَدَمِ الدِّينِ: خَرَجَتْ جُنُودُ اللَّهِ وَلِلْأَرْضِ مِنْهَا وَئِيدٌ قَدْ مَلَأَتْ السَّهْلَ وَالْجَبَلَ؛ فِي كَثْرَةٍ وَقُوَّةٍ وَعِدَّةٍ وَإِيمَانٍ وَصِدْقٍ. قَدْ بَهَرَتْ الْعُقُولَ وَالْأَلْبَابَ. مَحْفُوفَةٌ بِمَلَائِكَةِ اللَّهِ الَّتِي مَا زَالَ يُمَدُّ بِهَا الْأُمَّةَ الْحَنِيفِيَّةَ الْمُخْلِصَةَ لِبَارِئِهَا: فَانْهَزَمَ الْعَدُوُّ بَيْنَ أَيْدِيهَا وَلَمْ يَقِفْ لِمُقَابَلَتِهَا. ثُمَّ أَقْبَلَ الْعَدُوُّ ثَانِيًا فَأَرْسَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَذَابِ مَا أَهْلَكَ النُّفُوسَ وَالْخَيْلَ وَانْصَرَفَ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ وَصَدَقَ اللَّهُ