فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 403

أولا: الاستعانة بخبرة الكافر فيما يشابه استعانته صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أريقط في الهجرة، ويمكن أن نعتبر هذا النص مُخَصِّصًا لعموم حديث عائشة السابق لأنه متقدم عليه زمنا، ويؤيد هذا التخصيص استعانته صلى الله عليه وسلم بأسرى بدر في تعليم أبناء المسلمين الكتابة كفداء، وهذه قصة متأخرة عن حديث (لن أستعين بمشرك) ، وفي قصة أسرى بدر قال صاحب تكملة أضواء البيان الشيخ عطية بن محمد بن سالم [يدل على أمرين أولهما: شدة وزيادة العناية بالتعليم، وثانيهما: جواز تعليم الكافر للمسلم مَالاَ تعلق له بالدين، كما يوجد الآن من الأمور الصناعية في الهندسة والطب والزراعة والقتال ونحو ذلك] [1] .

وذكر ابن القيم صورة أخرى للاستعانة بخبرة الكافر في التجسس على العدو، فقال في الفوائد الفقهية في قصة الحديبية (ومنها أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة، لأن عيينة الخزاعي العين(الجاسوس) كان كافرا إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب من اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم) [2] . قلت: وخزاعة مسلمهم وكافرهم كانوا أهل نصح للنبي صلى الله عليه وسلم.

ثانيا: الاستعانة بسلاح الكافر بالإستعارة أو الشراء، لحديث صفوان وهذا الحديث نظرا لتراخيه زمنا عن حديث (لن أستعين بمشرك) فليس بمخصص له بل نَسَخَهُ نسخا جزئيا وليس كليا، إذ إنه أباح بعض أنواع الاستعانة الممنوعة ولم يبحها كلها، ومن الخطأ اعتباره ناسخا نسخا كليا لحديث (لن أستعين بمشرك) .

نخلص من هذا:

= عدم جواز الاستعانة بالكافر في القتال نفسه أو التخطيط للمعارك أو الإشراف عليها.

= وجواز الاستعانة بالكافر في الدلالة على الطريق، أو تعليم بعض فنون القتال للمسلمين في غير المعارك أي في معسكرات التدريب، وجواز شراء السلاح والذخيرة منه أو استعارتها وأشباه هذا مما لا تعلق له بالقتال نفسه أو التخطيط له. ويشترط فيمن يستعان به الشروط التي ذكرها الفقهاء من كونه حسن الرأي في المسلمين وأن الحاجة تدعو لذلك وألا تكون له ولاية على المسلم.

فتَنَبَّه لما يجوز وما لا يجوز من أنواع الاستعانة، وما ذكره ابن قدامة من أن أحمد بن حنبل أجاز الاستعانة بالمشرك [3] خالفه القاضي أبو يعلى بقوله في قتال البغاة [ولا يستعين على قتالهم بمشرك معاهد ولا ذمي، وقد منع أحمد من ذلك في قتال أهل الحرب، فأولى في قتال البغاة] [4] .

وعلى هذا ينبغي أن تحمل رواية ابن قدامة عن أحمد على ما يجوز من أنواع الاستعانة بالمشرك لا مطلق الاستعانة به. إذ لم يثبت لدينا بالنقل الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بكافر في القتال نفسه، كيف وقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [5] ، وقال تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [6] ، وقال تعالى: {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [7] ، ولذلك فإن ما يُنقل في كتب فقهاء المذاهب رحمهم الله من جواز الاستعانة بالكافر في القتال لا نسلم به هكذا مطلقا. والقتال أخص من الجهاد ومن الغزو فتجوز الاستعانة بكيفية معينة كما أسلفت لا الاستعانة المطلقة.

قلت: إلا أن أبا محمد بن حزم أجاز الاستعانة بالكافر في الغزو ليس من جهة الأحاديث المبيحة لذلك ـ فهي لا تقوم بها حجة ـ ولكن من جهة الاضطرار مستدلا بآية رخصة المضار، فقال: [وقد ذكرنا هذا في كتاب الجهاد من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أننا لا نستعين بمشرك، وهذا عموم مانع من أن يُستعان به في ولاية أو قتال أو شيء من الأشياء إلا ما صح الإجماع على جواز الاستعانة به فيه كخدمة الدابة أو الاستئجار، أو قضاء الحاجة ونحو ذلك مما لا يخرجون فيه عن الصَّغَار، والمشرك اسم يقع على الذمي والحربي قال أبو محمد رحمه الله: هذا عندنا مادام في أهل العدل مَنَعَة فإن أشفوا على الهَلَكَة واضطروا ولم تكن لهم حيلة فلا بأس بأن يلجئوا إلى أهل الحرب وأن يمتنعوا بأهل الذمة ما أيقنوا أنهم في استنصارهم لا يؤذون مسلما ولا ذميا في دم أو مال أو حرمة مما لا يحل برهان ذلك قول الله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} وهذا عموم لكل من اضطر إليه إلا ما منع منه نص أو إجماع، فإن علم المسلم ـ واحدا كان أو جماعة ـ أن من استنصر به من أهل الحرب أو الذمة يؤذون مسلما أو ذميا فيما لا يحل فحرام عليه أن يستعين بهما وإن هلك لكن يصبر لأمر الله تعالى وإن تلفت نفسه وأهله وماله أو يقاتل حتى يموت شهيدا كريما، فالموت لابد منه ولا يتعدى أحد أجله، أ هـ] [8] .

كذلك لا يُعترض على ما سبق بما ذكره الإمام الماوردي في أحكامه السلطانية من أن الذمي يجوز أن يتولى وزارة التنفيذ (ص27) ، وذكره أيضا القاضي أبو يعلى بصيغة تضعيف ثم انتقده أيضا بقول الإمام أحمد. قال أبو يعلى: [وقد قيل: إنه يجوز أن يكون هذا الوزير ـ أي وزير التنفيذ ـ من أهل الذمة، وإن لم يكن وزير التفويض منهم، إلا أن يستطيلوا فيكونوا من الإستطالة ـ ثم قال ـ ورُوِي عن أحمد ما يدل على المنع، لأنه قال في رواية أبي طالب ـ وقد سئل: نستعمل اليهودي والنصراني في أعمال المسلمين مثل الخراج؟ ـ فقال (لا يُستعان بهم في شيء) قال أبو يعلى: ويكون الوجه فيه قوله تعالى: {لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَالُونَكُمْ خَبَالا} [9] ، وقوله تعالى: {لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [10] ، وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تأمنوهم إذ خَوَّنَهم الله» ] [11] . فهذه كبوة من الماوردي على

(1) - (أضواء البيان) تفسير سورة العلق ج 9 ص 357

(2) - زاد المعاد ج 2 ص 127

(3) - المغني والشرح الكبير ج 10 ص 456

(4) - الأحكام السلطانية ص 55

(5) - سورة الأنفال، الآية: 73

(6) - سورة التوبة، الآية: 36

(7) - سورة الممتحنة، الآية: 2

(8) - المحلى 11/ 113

(9) - سورة آل عمران، الآية: 118

(10) - سورة الممتحنة، الآية: 1

(11) - (الأحكام السلطانية) لأبي يعلى ص 32

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت