فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 403

حجر في نفس هذا الرجل [وفي حديث أكثم بن أبي الجون الخزاعي عند الطبراني «قال قلنا يا رسول الله فلان يجزئ في القتال، قال: هو في النار، قلنا: يا رسول الله إذا كان فلان في عبادته واجتهاده ولين جانبه في النار فأين نحن؟ قال صلى الله عليه وسلم: ذلك أخبث النفاق، قال: فكنا نتحفظ عليه في القتال» ] [1] .

قلت: ولا يشكل على الأدلة السابقة في منع الاستعانة بالكافر في الغزو إلا حديث ذِي مِخْبَر - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «ستصالحون الروم صلحا وتغزون أنتم وهُم عدوا من ورائكم» [2] . قلت: ورغم ورود هذا الحديث في باب (ما جاء في الاستعانة بالمشركين) إلا أن الشوكاني قال في تحقيقه للأدلة (والحاصل أن الظاهر من الأدلة عدم جواز الاستعانة بمن كان مشركا مطلقا) [3] وسيأتي بقية قوله السابق، أي إن الشوكاني لم يعتبر حديث ذِي مِخْبَر مُشْكِلا على أدلة المنع، ولم يعتبره دليل إباحة، ولعل سبب ذلك أن حديث ذِي مِخْبر ورد بصيغة الخبر وهي لا تفيد أمرا أو نهيا إلا إذا اقترنت بمدح أو ذم على الترتيب. والحق أن حديث ذي مخبر له تكملة تضمنت المدح والذم معا، وهي كالتالي: «سَتُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا أمنًا ثُمَّ تَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا فَتُنْصَرُونَ ثُمَّ تَنْزِلُونَ مَرْجًا، فَيَرْفَعُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الصَّلِيب الصَّلِيبَ فَيَقُولُ غَلَبَ الصَّلِيبُ فَيَغْضَبُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَقُومُ إِلَيْهِ فَيَدْفَعهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَغْدِرُ الرُّومُ وَيَجْمِعُونَ لِلْمَلْحَمَةِ» [4] ، فالحديث خبر وفيه مدح «فَتُنْصَرُونَ» وذم «تَغْدِرُ الرُّومُ وَيَجْمِعُونَ لِلْمَلْحَمَةِ» ، فهذا الحديث لا يعارض أحاديث المنع الصريحة.

ولذلك فقد قال الشوكاني بعد ما ذكر أدلة المنع وأدلة الجواز وأقوال العلماء فيها، قال: [والحاصل أن الظاهر من الأدلة عدم جواز الاستعانة بمن كان مشركا مطلقا، لما في قوله صلى الله عليه وسلم: «إنا لا نستعين بالمشركين» من العموم، وكذلك قوله: «أنا لا أستعين بمشرك» ، ولا يصلح مرسل الزهري لمعارضة ذلك لما تقدم من أن مراسيل الزهري ضعيفة، والمسند فيه الحسن بن عمارة وهو ضعيف، ويؤيد هذا قوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} ، وقد أخرج الشيخان عن البراء قال «جاء رجل مقنع بالحديد، فقال يا رسول الله: أُقَاتِل أَو أُسْلِم، قال صلى الله عليه وسلم: أَسْلِم ثم قَاتِل، فَأَسْلَمَ ثُم قَاتَل، فَقُتِل، فقال رسول الله عَمِلَ قليلا وأُجِرَ كثيرًا» [5] .

خلاصة القول في هذه المسألة:

إن حديث عائشة (لن أستعين بمشرك) نص عام في منع الاستعانة بالمشرك بأي كيفية في القتال أو في إعداد العدة أو غيره، إلا أنه يستثنى من هذا المنع بعض أنواع الاستعانة بالمشرك التي ثبتت بالنصوص، وهي:

(1) - فتح الباري ج 7 ص 472 ـ 473.

(2) - رواه أحمد وأبو داود وقال الشوكاني فيه (حديث ذِي مِخْبَر أخرجه أيضا ابن ماجة وسكت عنه أبوداود والمنذري، ورجال إسناد أبي داود رجال الصحيح) نيل الوطار 8/ 43

(3) - نيل الأوطار 8/ 45

(4) - الحديث رواه أبو داود

(5) - (نيل الأوطار) ج 8 ص 45

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت