أ - فذهبت طائفة من أهل العلم إلى القول بمنع الاستعانة بالمشركين مطلقا، أخذا بحديث عائشة «ارجع فلن أستعين بمشرك» وقالوا هذا حديث ثابت وما يعارضه لا يوازنه في الصحة والثبوت فتعذر ادعاء النسخ لهذا [1] ، وممن قال بهذا ابن المنذر والجوزجاني وغيرهم [2] .
ب - وذهبت طائفة إلى القول بأن حديث الاستعانة بصفوان ناسخ لحديث «ارجع فلن أستعين بمشرك» لأن حديث صفوان متأخر وكان يوم حنين والآخر يوم بدر، ومنهم من لم يقل بالنسخ ولكن قال بالإباحة بعد المنع. قال أبو بكر الحازمي [وذهبت طائفة إلى أن للإمام أن يأذن للمشركين أن يغزوا معه ويستعين بهم ولكن بشرطين أحدهما أن يكون في المسلمين قِلَّة وتدعو الحاجة إلى ذلك، والثاني أن يكون ممن يوثق بهم فلا تُخشى ثائرتهم فمتى فُقِد هذان الشرطان لم يجز للإمام أن يستعين بهم، قالوا ومع وجود الشرطين يجوز الاستعانة بهم وتمسكوا في ذلك بما رواه ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعان بيهود بني قينقاع ورضخ لهم، واستعان بصفوان بن أمية في قتال هوازن يوم حنين، قالوا وتعين المصير إلى هذا لأن حديث عائشة رضي الله عنها كان يوم بدر وهو متقدم فيكون منسوخا] [3] . قلت: حديث ابن عباس في الاستعانة باليهود في سنده الحسن بن عمارة وهو ضعيف فلا يكون ناسخا للحديث الصحيح، أما حديث صفوان فحديث ثابت غير أن صفوان لم يقاتل بنفسه.
وقال ابن قدامة الحنبلي: [وعن أحمد ما يدل على جواز الاستعانة به، وكلام الخرقي يدل عليه أيضا عند الحاجة، وهو مذهب الشافعي لحديث الزهري الذي ذكرناه وخبر صفوان بن أمية، ويشترط أن يكون من يُستعان به حسن الرأي في المسلمين، فإن كان غير مأمون عليهم لم تجزئه الاستعانة به لأننا إذا منعنا الاستعانة بمن لا يُؤْمَن من المسلمين مثل المخذل والمُرْجِف فالكافر أَوْلَى] [4] .
ومثل كلام ابن قدامة هذا ما ذكره النووي في شرح حديث «لن أستعين بمشرك» إذ أورده في باب (كراهة الاستعانة في الغزو بكافر إلا لحاجة أو كونه حسن الرأي في المسلمين) وذكر النووي أن هو قول الشافعي [5] .
قال الشوكاني: [ومنها أن الاستعانة كانت ممنوعة ثم رخص فيها، قال الحافظ في التلخيص وهذا أَقْرَبُها وعليه نص الشافعي، وإلى عدم جواز الاستعانة بالمشركين ذهب جماعة من العلماء وهو مروي عن الشافعي، وحكى في البحر عن العترة وأبي حنيفة وأصحابه أنها تجوز الاستعانة بالكفار والفُسَّاق حيث يستقيمون على أوامره ونواهيه واستدلوا باستعانته صلى الله عليه وسلم بصفوان بن أمية يوم حنين وبإخباره صلى الله عليه وسلم بأنها ستقع من المسلمين مصالحة الروم ويغزون جميعا عدوا من وراء المسلمين. قال في البحر: وتجوز الاستعانة بالمنافق إجماعا لاستعانته صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أُبَيّ وأصحابه، وتجوز الاستعانة بالفُسَّاق على الكفار إجماعا ـ إلى أن قال ـ وشرط بعض أهل العلم ومنهم الهادوية أنها لا توجد الاستعانة بالكفار والفساق إلا حيث مع الإمام جماعة من المسلمين يستقل بهم في إمضاء الأحكام الشرعية على الذين استعان بهم ليكونوا مغلوبين لا غالبين كما كان عبد الله بن أُبَيّ ومن معه من المنافقين يخرجون مع النبي صلى الله عليه وسلم وهم كذلك[6] .
ج - الذي أراه والله أعلم بالصواب، أنه لا تعارض بين النصوص الواردة في الاستعانة بالكافر في الغزو، وكل نص منها ينبغي أن يُحْمَلَ على كيفية معينة للاستعانة.
فحديث عائشة يحمل على منع الاستعانة بالكافر في القتال نفسه، وهو صيغة عموم (نكرة في سياق النفي) وهي «لن أستعين بمشرك» ، وقلت في القتال نفسه لأن نص الحديث يدل عليه وهو: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَلَ بدر فلما كان بِحَرَّة الوبرة أدركه رجل قد كان يُذكر منه جرأة ونجدة ففرح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله جئت لأتبعك وأصيب معك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال فارجع فلن أستعين بمشرك» [7] . وهذا الحديث له شواهد تُعضِّده منها ما رواه البخاري عن البراء قال: «أتى النبِيَ صلى الله عليه وسلم رجلٌ مقنَّع بالحديد فقال: يا رسول الله، أقاتِلُ وأُسلِمُ؟ قال: أَسلِم ثم قاتِل. فأسلَم ثم قاتَل فقُتِل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عَمِلَ قليلا وأُجِرَ كثيرًا» [8] ، وعن خبيب بن يساف قال: «أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو يريد غزوا ـ أنا ورجلٌ من قومي ولم نُسلم، فقلنا إنَّا نستحي أن يشهد قومنا مشهدا لا نشهده معهم، قال أَوَ أَسْلَمْتُمَا؟، قلنا: لا، قال: إنا لا نستعين بالمشركين على المشركين، قال فأسلمنا وشهدنا معه» الحديث [9] ، وعن أبي حميد الساعدي «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم أحد حتى إذا جاوز ثنية الوداع فإذا هو بكتيبة خَشْنَاء، فقال من هؤلاء، قالوا عبد الله بن أُبَيّ في ستمائة من مواليه من بني قينقاع، فقال وقد أسلموا؟، قالوا لا يا رسول الله، قال: مروهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين» [10] . فهذه النصوص واضحة الدلالة في منع الاستعانة بالكافر في القتال نفسه، وليس لها معارض فحديث صفوان ليس فيه الاستعانة بصفوان نفسه في القتال، بل باستعارة السلاح منه فينبغي أن يحمل على جواز نوع معين من الاستعانة بالكافر، ويحتج البعض بحديث «إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» وأن هذا الفاجر قاتل مع المسلمين، وليس في هذا الحديث حجة في الاستعانة بالمشرك إذ الفجور لا يعني الشرك وحده، وقد ثبت بالنصوص الأخرى الواردة في قصة هذا الفاجر أنه كان يُظهِر الشرك، وأحكام الدنيا تجري على الظاهر، فقد روى البخاري عن أبي هريرة قال: «فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل ممن معه يَدَّعي الإسلام: هذا من أهل النار» [11] ، وقال ابن
(1) - الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الأثار لأبي بكر الحازمي الهمذاني ص 218
(2) - المغني والشرح الكبير ج 10 ص 456
(3) - كتاب الاعتبار في الناسخ والمنسوخ ص 219
(4) - المغني والشرح الكبير ج 10 ص 456
(5) - صحيح مسلم بشرح النووي ـ كتاب الجهاد ج 12 ص 198
(6) - (نيل الأوطار) ج 8 ص 44
(7) - الحديث رواه مسلم
(8) - حديث 2808
(9) - قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني ورجالأحمد ثقات (مجمع الزوائد 5/ 306)
(10) - قال الهيثمي: رواه الطبراني في ا لكبير والأوسط وفيه سعد بن المنذر بن أبي حميد ذكره ابن حبان في الثقات، فقال سعد بن أبي حميد فنسبه إلى جده وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد 5/ 306)
(11) - حديث 4203