منزلته، وكل يؤخذ من قوله ويُرَد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حمل عليه الجويني حملة عنيفة فقال: [وذكر مصنف الكتاب المترجم بالأحكام السلطانية أن صاحب هذا المنصب يجوز أن يكون ذميا، وهذه عثرة ليس لها مقيل ـ إلى قوله ـ وقد توافت شهادة نصوص الكتاب والسنة على النهي عن الركون إلى الكفار والمنع من ائتمانهم وإطلاعهم على الإسرار، قال الله تعالى: {لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَالُونَكُمْ خَبَالا} وقال تعالى: {لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} [1] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَنَا بَريءٌ مِن كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ لاَ تَتَرَاءَى نَارَهُمَا» ، واشتد نكير عمر على أبي موسى الأشعري لما اتخذ كاتبا نصرانيا، وقد نص الشافعي على أن المترجم الذي يُنْهِى إلى القاضي معاني لغات المُدَّعين يجب أن يكون مسلما عدلا رضا، ولست أعرف في ذلك خلافا بين علماء الأقطار، فكيف يسوغ أن يكون السفير بين الإمام والمسلمين من الكفار] [2] . أ هـ
قلت: فانتبه لهذا، ولا تقبل قولا من أحد كائنا من كان إلا بدليل من الكتاب أو السنة فإذا طبقنا هذا على موضوعنا الأصلي وهو معسكر التدريب، فأقول، إذا دعت الحاجة إلى الاستعانة بمدرب كافر مأمون الضرر، فلا بأس به في مجال خبرته الفنية على أن تكون له إمارة أو رياسة على مسلم. ومع ذلك فيجب على المسلمين السعي في استكمال الخبرات الناقصة لديهم حتى يستغنوا عن هذا. واستكمال ما لابد منه للمسلمين هو من فروض الكفاية التي يأثم المسلمون جميعا إن لم يستوفوها.
الذكورية
من شروط الإمارة أن يكون الأمير ذكرا، وهذا إجماع، وقد قال الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [3] ، وقال صلى الله عليه وسلم: «لن يُفْلِح قوم وَلَّوْا أَمْرَهم امرأة» [4] ، وهذا واضح.
والذي أنبه عليه خاصة في هذا الشأن، ليس منع النساء من الإمارة والولاية الظاهرة فهذا واضح، ولكن أنبه على ضرورة منعها من الولاية الخفية وهذه تكون بأن يفضي الأمير إلى نسائه بأسرار عمله ويستشيرهن فيه، فيشرن عليه فيعمل بمشورتهن فتكون لهن ولاية خَفِيَّة على المسلمين، وهذا شائع ومنتشر، والناظر في سير الحكام قديما وحديثا يرى أمثلة لهذا، فليحذر منه، وهذا من جهة الأمير يعد خيانة للأمانة التي تولاها، وقد قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [5] ، ولا يشكل على هذا مشورة السيدة أم سلمة رضي الله عنها يوم الحديبية، إذ إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبدأها بطلب المشورة، وكان ما تكلمت به رضي الله عنها من باب النصيحة، وهي مشروعة لجميع
(1) - سورة المائدة، الآية: 51
(2) - (غياث الأمم) تحقيق د. عبد العظيم الديب ط 1401 ص 155 ـ 157
(3) - النساء، الآية: 34
(4) - متفق عليه عن أبي بكرة
(5) - الأنفال، الآية: 27