العلوم عائقة عن التحصيل، وقال إن طالب العلم لا يَفِي عمرُه بما كُتِبَ في صناعة واحدة إذا تجرد لها، وقال إن المتعلم ولو قطع عمره في هذا كله فلا يفي له بتحصيل علم العربية مثلا الذي هو آلة من الآلات ووسيلة ... ] [1] فتفطن لهذا، ومثل هذا ما قاله الشاطبي [المقدمة التاسعة: من العلم ما هو صُلْب العلم ومنه ما هو مُلَح العلم لا مِنْ صلبه، ومنه ما ليس من صلبه ولا ملحه، فهذه ثلاثة أقسام] [2] ، وذكر الشاطبي من المُلَح التأنق في استخراج الحديث من طرق كثيرة لا على قصد طلب تواتره [3] ، وهذا المثال عَدَّه ابن الجوزي من تلبيس إبليس على أهل الحديث إذا لم يَقْصد بكثرة الطرق غرضا شرعيا صحيحا [4] ، وأشار ابن عبد البر إلى أن هذا قد يدخل تحت قوله تعالى: {أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ} [5] . قلت: ولا شك أن جمع روايات الحديث وطرقه له فوائد صحيحة: كتقوية الحديث بالمتابعات والشواهد ومعرفة زيادات الثقات وتفسير غريبه ومعرفة المصحَّف والمبهم والإدراج ومعرفة سبب الحديث ونحو ذلك مما يعرفه أهل الشأن.
والمقصد من هذا أن يشتغل طالب العلم بالأهم فما دونه، خاصة ما يحتاجه العمل الجهادي من العلوم في مراحله المختلفة.
الخلاصة: ذكرت أن الطائفة المجاهدة يلزمها استيفاء نوعي العلم: العيني لجميع أفرادها، والكفائي الذي تقوم به فئة من الطائفة تسد حاجة المجموع من العلوم المختلفة. ومع ذلك فإن هناك قدرا من العلم يجب توفره في قادة الجهاد وإن لم نلزم به عموم الأفراد، وهذا القدر واجب في حق القيادات لضبط الأعمال على مقتضى الشرع وللحفاظ على مسيرة الجهاد من الانحراف عن غايتها الشرعية، وقد سبق في الباب الثالث أن العلم الشرعي من شروط الإمارة العامة [6] ، وهذا ما يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْنَّاسِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» [7] .
هذا ما أرى في العلم اللازم للطائفة المجاهدة، والله تعالى أعلم بالصواب.
(1) - المقدمة ص 531 ـ 532
(2) - الموافقات 1/ 77
(3) - نفس المرجع 1/ 81
(4) - تلبيس إبليس، ط المدني ص 159
(5) - جامع بيان العلم، ط المنيرية 1398هـ ج 2 ص 132
(6) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 37
(7) متفق عليه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.