فهرس الكتاب

الصفحة 373 من 403

ذكرها أيضا ابن قدامة [1] . فهذه تسعة شروط لوجوب الجهاد الكفائي فإذا تعين الجهاد سقطت بعض هذه الشروط، وبقيت شروط الجهاد العيني خمسة وهي: الإسلام والبلوغ والعقل والذكورية ـ خلافا لمن أسقطها ـ والسلامة من الضرر، ولا يشترط وجود النفقة إذا حل العدو بالديار أو كان دون مسافة القصر على قول.

وكما يرى كل مبتغ للحق غير مكابر ولا معاند أن العلم الشرعي ليس ضمن الشروط المذكورة أعلاه، وهذا ليس قول ابن قدامة وحده، بل لم أعثر على من اشترط هذا في أي من كتب الفقه فيما اطلعت.

ويكفيك في هذا الحديث الذي رواه البخاري رحمه الله عن البراء - رضي الله عنه - قال: (أَتَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ مقنع بالحديد فقال يا رسول الله أُقاتل أو أُسلم؟ قال: أَسلِم ثم قَاتِل، فأسلم ثم قاتَل فقُتل، فقال صلى الله عليه وسلم: عَمِلَ قليلا وأُجِرَ كثيرا) [2] . ومثله حديث «ارجع فلن أستعين بمشرك» وفيه أن هذا المشرك أسلم ثم قاتل وذلك يوم بدر [3] ، وكما ترى لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أحدا من هذين بأن يذهب ليتعلم دينه قبل السماح له بالقتال بل اكتفى منه بالإيمان المجمل. فلو كان العلم شرطا لوجوب الجهاد لما أذن النبي صلى الله عليه وسلم لهذا بالقتال معه قبل طلب العلم. ومن هنا تعلم أنه ليس بشرط، وقال صلى الله عليه وسلم: «من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط» [4] ، فتعلم بذلك أن هذا القول ـ وجوب طلب العلم قبل الجهاد ـ هو قول باطل ويفضي إلى إبطال الجهاد الذي نراه متعينا على جمهور المسلمين في هذا الزمان. وأرجو ألا يكون هذا القول الباطل تبريرا من البعض للقعود عن الجهاد.

ثالثا: العلم اللازم للطائفة المجاهدة.

الذي أراه ـ والله تعالى أعلم بالصواب ـ أن الجهاد متعين على جمهور المسلمين من غير ذوي الأعذار الشرعية، وأن الجماعة لابد منها للقيام بالجهاد، وأن الطائفة المجاهدة يجب عليها استيفاء نوعي العلم: العيني والكفائي.

1 = أما العلم العيني في حق المجاهد فهو نوعان: عام وخاص.

أ) النوع العام: ويشترك فيه المسلمون جميعا، ومنه علم التوحيد ونواقضه وأركان الإسلام والمحرَّمات ونحو ذلك، وهذا يمكن تحصيله أثناء الجهاد وليس بشرط لوجوبه كما سبق، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه مع اشتغالهم بالجهاد، كما في حديث ذات أنواط السابق، وهو أمر متعلق بالتوحيد الذي هو أصل الدين. وفيما يتعلق بالعلم العيني ـ إجمالا ـ انصح كل مسلم بمراعاة أمرين: الأول أن لا يُقْدِمَ على أمر حتى يعلم حكم الشريعة فيه، كما سبق في أصول الإعتصام بالكتاب والسنة في قوله تعالى {لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [5] ، والثاني أن يسأل من يدله على حكم الشريعة لقوله تعالى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [6] .

ب) والنوع الخاص: هو علم مشروعية الجهاد ومعرفة الراية التي سيجاهد المسلم تحتها. أما علم مشروعية هذا الجهاد، أي هل هذا الجهاد الذي تنوي الشروع فيه مشروع أم لا؟ ومن أي وجه هو؟ وهذا فرض واجب لا يجوز للمسلم أن يشارك في جهاد قبل أن يعلم مشروعيته فالجهاد في ذهاب الأنفس والأموال. ويدل على هذا المناظرة التي دارت بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما عندما عزم أبو بكر على قتال المرتدين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد خفي وجه مشروعية قتالهم على عمر، فبين له أبو بكر ذلك. فعن أبي هريرة قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم واستُخلف أبو بكر، وكَفَر من كَفَر من العرب، قال عمر: يا أبا بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله، قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقال عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتُهم على منعها. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق» [7] .

وأما معرفة الراية التي سيجاهد المسلم تحتها فهذا واجب أيضا، لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَدْعُو عَصَبِيَّةً أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ» [8] . وقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} [9] ، فلا يكفي علم مشروعية الجهاد ـ أي هل قتال هذا العدو واجب أم لا؟ ـ بل لابد من معرفة الراية التي ستقاتل عدوك تحتها، وقد سبق بيان هذا في (معالم أساسية في الجهاد) .

2 = وأما العلم الكفائي فيعمد أمير الجهاد إلى طائفة من أتباعه يفرِّغهم لطلب العلوم الشرعية على التفصيل اللازم لسد احتياجات الدعوة والتعليم والقضاء في مرحلتي ما قبل النصر والتمكين وما بعده، على أن تكون هذه الطائفة المتفرغة لطلب العلم من ذوي الإستعداد لذلك. وتقوم الجماعة المجاهدة بكفالة هؤلاء المتفرغين لطلب العلم ماليا [10] . وأنصح الطائفة المجاهدة بأن تسد حاجتها من العلم الشرعي والفتوى عن طريق أبنائها على أن يشتغل هؤلاء المتفرغون بالأهم فما دونه، ويقتصروا من كل علم على أهم مسائله، قال ابن خلدون: [إن كثرة التآليف في

(1) - ج 10 ص 381 ـ 384

(2) - ورواه مسلم.

(3) - رواه مسلم عن عائشة.

(4) - رواه البخاري.

(5) - سورة الحجرات، الآية: 1

(6) - سورة النحل، الآية: 43 وسورة الأنبياء، الآية: 7

(7) - رواه البخاري.

(8) - رواه مسلم عن جندب بن عبد الله.

(9) - سورة النساء، الآية: 76

(10) - انظر الموافقات للشاطبي ج 2 ص 366 ـ 367 مسألة: من كُلِّف بمصالح غيره وجب على المسلمين القيام بمصالحه، وإنما يكون ذلك من بيت المال ونحوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت