الخطاب أُعَلِّم عبد الرحمن بن عوف القرآن" [1] ، وكان ابن عباس ذكيا شديد الحفظ، وكان كثير من الصحابة لاشتغالهم بالجهاد لم يستوعبوا القرآن حفظا، وكان من اتفق له ذلك يستدركه بعد الوفاة النبوية وإقامتهم بالمدينة، فكانوا يعتمدون على نجباء الأبناء فيُقرِئونهم تلقينا للحفظ] [2] ، قلت: والقصة المذكورة في هذا الحديث كانت قُبيل وفاة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بأسابيع، وعبد الرحمن بن عوف وهو من العشرة المبشرين بالجنة ومن أصحاب الشورى والستة كان مرشحا للخلافة بعد عمر، وكان مازال يستكمل حفظ القرآن بسبب ما فاته لاشتغاله بالجهاد ومصالح المسلمين، ولم يمنعه هذا من أن يكون مرشحا للخلافة، فتأمل هذا."
وراجع أيضا باب (الحجة على من قال إن أحكام النبي صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة، وما كان يغيب بعضهم عن مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم وأمور الإسلام) من كتاب الإعتصام بصحيح البخاري [3] .
ثانيا: الرد على شبهة (لا جهاد إلا بعد طلب العلم) .
فإن كان صاحب هذه المقولة ـ وهي وجوب طلب العلم قبل الجهاد ـ يعني بذلك فرض العين من العلم الشرعي، فنقول هذا متيسر في أقل زمن ولا يلزم معرفته بأدلته الشرعية التفصيلية على الكافة، لما نقله ابن حجر عن القرطبي قال: [هذا الذي عليه أئمة الفتوى ومن قبله من أئمة السلف، واحتج بعضهم بما تقدم من القول في أصول الفطرة، وبما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة أنهم حكموا بإسلام من أسلم من جفاة العرب ممن كان يعبد الأوثان، فقبلوا منهم الإقرار بالشهادتين والتزام أحكام الإسلام من غير إلزام بتعلم الأدلة] أ هـ [4] . وإن كان صاحب هذه المقولة يعني بذلك فروض الكفاية من العلوم الشرعية وأنه لا يجاهد المسلم حتى يحصل قدرا معينا من العلوم الشرعية، فهذا قد أخطأ من وجهين:
الوجه الأول: أنه جعل فرض الكفاية فرض عين.
وهذا يفضي إلى تعطيل مصالح المسلمين بقعودهم جميعا لطلب العلم، وقد نهى الله - عز وجل - عن هذا بقوله {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [5] ، وكما ترى فقد قسم الله تعالى الناس في هذه الآية إلى متفقهة وغير متفقهة تماما كما في قوله تعالى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [6] ، والعالم المتفقه مأمور بتعليم الناس إما بالجواب عن أسئلتهم إذا سألوه،
(1) - أخرجه بن أبي شيبة
(2) - فتح الباري 12/ 146
(3) - فتح الباري ج 13 ص 320
(4) - فتح الباري 13/ 352
(5) - سورة التوبة، الآية: 122
(6) - سورة النحل، الآية: 43 وسورة الأنبياء، الآية: 7