يقول البعض لابد من أن يطلب المسلمُ علمَ دينه قبل أن يجاهد، وعليه فإن بعض الطوائف والجماعات تعتذر عن القيام بالجهاد بأعذار منها أنه يجب عليهم طلب العلم أولا. وهذه المقولة فيها حق وفيها باطل، وبيان ذلك كما يلي:
أولا: أقسام العلم الشرعي من حيث الوجوب.
العلم علمان فرض عين واجب على كل مسلم وفرض كفاية واجب على الأمة المسلمة ككل. أما فرض العين وهو ما يجب على كل مسلم، فهو نوعان: نوع عام أو مشترك يجب على جميع المسلمين علمه كأركان الإسلام والمحرمات القطعية ونحو ذلك، ونوع خاص وهو تفاصيل الأحكام لمن وجبت عليه، فغير القادر على الزكاة أو الحج لا يلزمه معرفة تفاصيل أحكامهما بخلاف القادر عليهما. وفي هذا يقول شارح العقيدة الطحاوية: [فمن وجب عليه الحج والزكاة مثلا، يجب عليه من الإيمان أن يعلم ما أُمِر به، ويؤمن بأن الله أوجب عليه مالا يجب على غيره الإيمان به إلا مجملا، وهذا يجب عليه فيه الإيمان المفصّل. وكذلك الرجل أول ما يُسلم إنما يجب عليه الإقرار المجمل، ثم إذا جاء وقت الصلاة كان عليه أن يؤمن بوجوبها ويؤديها فلم يتساو الناس فيما أمروا به من الإيمان] [1] .
فإذا طبقنا هذا على المجاهد، فنقول العلم الواجب عليه (العيني) هو النوع العام ومن النوع الخاص يجب عليه الإلمام بأحكام الجهاد خاصة ما يلزمه في حق الله تعالى ثم في حق الأمير عليه وهذا نذكره في الباب الخامس إن شاء الله تعالى، وكذلك يلزمه معرفة ما يجوز في قتال العدو، أما أحكام الغنائم والأسرى والصلح فلا تجب على الأعيان إذ إنها موكولة إلى الأمير.
وأما فرض الكفاية من العلم فهو ما يجب على الأمة ككل، فإن قام به البعض كان لهم الثواب وسقط الإثم عن الكل، فإن لم يقم به البعض كما ينبغي أثم الكل.
وفي هذا يقول الإمام الشافعي رحمه الله: [العلم نوعان: علم عامة لا يسع بالغا غير مغلوب على عقله جهله ... مثل الصلوات الخمس وأن لله على الناس صوم شهر رمضان وحج البيت إذا استطاعوه، وزكاة في أموالهم، وأنه حَرَّم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر، وما كان في معنى هذا، مما كلف العباد أن يعقلوه ويعملوه ويعطوه من أنفسهم وأموالهم، وان يكفوا عنه: ما حرم عليهم منه ـ ثم قال عن فرض الكفاية ـ هذه درجة من العلم ليس تبلعها العامة ولم يكلفها كل الخاصة، ومن احتمل بلوغها من الخاصة فلا يسعهم كلهم كافة أن يعطلوها، وإذا قام بها من خاصتهم من فيه الكفاية لم يَحرَج غيره ممن تركها إن شاء الله والفضل فيها لمن قام بها على من عطّلها] [2] .
وقال أبو عمر بن عبد البر: [أجمع العلماء على أن من العلم ما هو فرض عين على كل امرئ في خاصته بنفسه، ومنه ما هو فرض على الكفاية إذا قلم به قائم سقط فرضه على أهل ذلك الموضع ... ] وقد نقل ابن عبد البر أقوال أئمة السلف في هذا الشأن كالحسن البصري ومالك وعبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينة وإسحق بن راهوية [3] .
قلت: فتقسيم العلم الشرعي إلى فرض عين وفرض كفاية مما لا خلاف فيه، ودليله من كتاب الله تعالى {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [4] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وطلب العلم الشرعي فرض على الكفاية إلا فيما يتعين، مثل طلب كل واحد علم ما أمره الله به وما نهاه عنه، فإن هذا فرض على الأعيان كما أخرجاه في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من يُرِد الله به خيرا يفقهه في الدين» . وكل من أراد الله به خيرا لابد أن يفقهه في الدين، فمن لم يفقهه في الدين لم يرد الله به خيرا، والدين: ما بعث الله به رسوله، وهو ما يجب على المرء التصديق به والعمل به، وعلى كل أحد أن يصدق محمدا صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به، ويطيعه فيما أمر تصديقا عاما وطاعة عامة، ثم إذا ثبت عنه خبر كان عليه أن يصدق به مفصلا، وإذا كان مأمورا من جهة بأمر معين كان عليه أن يطيعه طاعة مفصلة] [5] .
وقال رحمه الله عن فرض الكفاية من العلم: [وكذلك أهل العلم الذين يحفظون على الأمة الكتاب والسنة: صورة ومعنى، مع أن حفظ ذلك واجب على الأمة عموما على الكفاية منهم، ومنه ما يجب على أعيانهم، وهو علم العين، الذي يجب على المسلم في خاصة نفسه، لكن وجوب ذلك عينا وكفاية على أهل العلم الذين رأسوا فيه، أو رزقوا عليه أعظم من وجوبه على غيرهم، لأنه واجب بالشرع عموما. وقد يتعين عليهم لقدرتهم عليه وعجز غيرهم، ويدخل في القدرة استعداد العقل، وسابقة الطلب، ومعرفة الطرق الموصلة إليه، من الكتب المصنفة، والعلماء المتقدمين، وسائر الأدلة المتعددة، والتفرغ له عما يُشْغَل به غيرهم] [6] .
وما ذكره ابن تيمية رحمه الله من انه يدخل في القدرة على طلب العلم الكفائي استعداد العقل والتفرغ، نذكر له أمثلة من جيل الصحابة.
فاستعداد العقل نمثل بما ورد عن عبد الله بن أبي أوفى - رضي الله عنه - قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن فعلمني ما يجزئني، فقال قل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله) [7] ، فهذا صحابي لا يستطيع أخذ شيء من القرآن ولا فاتحة الكتاب التي لا تصح الصلاة إلا بها، فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يقوله في الصلاة بدلا عن الفاتحة، وقال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} .
والتفرغ نمثل له بما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كنت أُقْرِئُ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف .... ) [8] ، قال ابن حجر: ["كنت اختلف إلى عبد الرحمن بن عوف ونحن بمِنَى مه عمر بن"
(1) - شارح العقيدة الطحاوية ط المكتب الإسلامي 1403هـ ص: 377، 378
(2) - الرسالة للشافعي ـ تحقيق أحمد شاكر ـ ص 357 ـ 360
(3) - جامع بيان العلم وفضله ج 1 ص 9 ـ 12
(4) - سورة التوبة، الآية: 122
(5) - مجموع الفتاوى ج 28 ص 80
(6) - مجموع الفتاوى ج 28 ص 186
(7) - رواه أبو داود، وحسنه الألباني (إرواء الغليل 2/ 12)
(8) - الحديث 6830