فهرس الكتاب

الصفحة 366 من 403

الْغَارِ [1] ، فحضهم المولى سبحانه على النفير وحذرهم من القعود، وأنه قادر على أن يستبدل غيرهم {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ثم ذكَّرهم ببعض آثار قدرته، وهي أنه سبحانه نصر رسوله صلى الله عليه وسلم ـ دون عدد وعدة ـ على كفار مكة أثناء هجرته، فردّهم سبحانه بهذا أيضا إلى الأمر الأول الذي ينبغي ألا يغيب عن الأذهان وهو {وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} .

ومثل هذا قوله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [2] ، فنسب الله سبحانه الرمي إليهم {إِذْ رَمَيْتَ} تنبيها على وجوب الأخذ بالأسباب، ونسب سبحانه التسديد والإصابة إليه جل وعلا {وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} ، {وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} ليبين سبحانه أن النصر منه وحده، والتوفيق منه وحده لا بالأسباب فإنها وإن وجبت لا تغني شيئا بنفسها.

ولنا هنا تنبيهان:

الأول: أنه إذا كان النصر بيد الله وحده، فإن ما عند الله تعالى لا يؤخذ إلا بالأسباب التي شرعها في هذا المقام، وذَكَرنا في أول موضوع الإعداد الإيماني أن الله سبحانه تكفل بنصر المؤمنين الذين ينصرون دينه، قال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [3] ، وقال تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ} [4] ، وذكرت هناك أنه يلزم إعدادان (إيماني ومادي) كشرط لاستحقاق هذا النصر، وهذا معناه جهد وبذل ودعوة وصبر متواصل أردت من هذا تنبيه الغافلين القاعدين الكسالى الذين يتمنون على الله الأماني ويرجون نصر الله وهم لم ينصروا دينه بشيء، كما أردت تنبيه أولئك الزائغين الذين يتصدون للعمل الإسلامي في هذا الزمان ولا يسلكون سبيل الجهاد المتعين ولا يأخذون بالأسباب التي شرعها الله لنصرة الدين، قال تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [5] .

التنبيه الثاني: وهو لأولئك الآيسون من رحمة الله، الذين آيسوا من أن ينهض المسلمون مما هم فيه من الذل والهوان، الذين آيسوا من أن يتمكن المسلمون من التغلب على قوى الكفر العالمية المتربصة بهم، ترى أحدهم يقول كيف تقوم للمسلمين دولة ومعظم البلدان الآن خاضعة لأمريكا أو لروسيا؟، ويقول إن الدول العظمى الكافرة تمتلك الطعام والسلاح وتمتلك الصواريخ العابرة للقارات والأسلحة المنصوبة في السماء لتأديب من يخرج عن طوعهم، ويقول إن أجهزة استخباراتهم في الأرض وأقمارهم الصناعية في السماء تعلم بكل حركة وكل همسة، فكيف يتسنى لنا العمل

(1) - سورة التوبة، الآيات: 38 إلى 40

(2) - سورة الأنفال، الآية: 17

(3) - سورة الروم، الآية: 47

(4) - سورة الحج، الآية: 40

(5) - سورة الإسراء، الآية: 19

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت