كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ» [1] ، وعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، واتقوا الله وأجملوا في الطلب» [2] . فالرزق والأجل مقدَّران مفروغ منهما، ولهذا كَرِه كثير من السلف الدعاء بطول العمر، أما ما ورد في حديث «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» [3] ، فقد رجَّح ابن حجر وجَزَمَ غيره بأن المراد البركة في الرزق والعمر لا زيادة ما قُدِّر منهما، وأورد بعض الآثار تشهد بهذا [4] . فليكن معلوما أن الجهاد لا يقرب أجلا ولا يمنع رزقا.
إلاَّ أن هذا لا يُنَافِي الأخذ بالأسباب المشروعة، كالسعي لطلب الرزق، وكَلُبس الدروع وحفر الخنادق وغيرها في قتال العدو كما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم، فلا منافاة بين الإيمان بالقدر وبين فعل المأمور به كما سبق.
رابعا: آفة الإحجام.
والذي أعنيه بالإحجام هنا، أن حب النصر مركوز في النفس كما قال تعالى: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} [5] ، وقد ينقلب هذا الحب إلى آفة تجعل المسلم يُحجم عن المشاركة في المعارك الأولية أو الثانوية خشية أن يُقْتَل ولا يعيش ليرى يوم النصر الحاسم، وهذت من الجهل بحقيقة واجبه، فالمسلم مأمور شرعا بالجهاد وليس بتحقيق النصر الحاسم، فسواء تحقق النصر على يديه أو على أيدي إخوانه أو أبنائه فهو قد أدى واجبه بجهاده ووقع أجره على الله إن شاء الله تعالى.
قال تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [6] ، فهذا سَعَى في الهجرة الواجبة {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا} ولم يَصِل إلى غايته بل أدركه الموتُ قبلها، ومع ذلك وقع أجره على الله. وأوضح من هذا بيان المراد:
قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [7] ، فهذه الآية لم تترك شيئا مما يكابده المسلم في جهاد أعداء الله إلا وقررت أنه عمل صالح مَجْزِيٌّ به صاحبه، ولم يشترط لهذا إدراك الغاية والنصر.
وبالإضافة إلى هذا ينبغي أن يكون معلوما أن من جاهد ولم يدرك غنيمةً أو نصرًا هو أعظم أجرا عند الله تعالى ممن أدرك الغنيمة أو النصر، وهذا يُستفاد من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلا تَمَّ أُجُورُهُمْ» [8] . ومثله حديث خباب بن الأرثّ قال: «هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نلتمس وجه الله تعالى فوقع أجرنا على الله، فمِنّا مَنْ مات ولم يأكل من أجره شيئا منهم مصعب بن عمير - رضي الله عنه -، قتل يوم أحد وترك نَمِرة فكنا إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نغطى رأسه ونجعل على رجليه شيئا من الإذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يَهْذِبُها [9] » [10] .
وهذا آخر ما يحضرني في مسألة الإستشهاد.
(فقرة 20) (وما النصر إلا من عند الله) .
قال تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [11] ، اشتملت هذه الآية على ما يعتبر أقوى أساليب الحصر وهو النفي (ما) المتبوع بالاستثناء (إلا) ، وهو يفيد هنا حصر النصر في الله وحده، فالنصر يتنزل بإذنِه سبحانه وحده لا شريك له، لا بعدد ولا عدة إلا أن يشاء الله. ولَمّا غاب هذا المعنى عن بعض المسلمين في غزوة حنين وأعجبوا بكثرتهم كانت الهزيمة ليعلموا أن العدد والعدة لا تغني شيئا إلا بإذن الله. قال تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [12] ، فذكَّرهم سبحانه أنه نصرهم في مواطن كثيرة دون هذه الكثرة التي أعجبوا بها، وأنهم لما أعجبوا وركنوا إلى الكثرة لم تغن عنهم شيئا فهُزِموا، ثم نصرهم الله بعد الهزيمة ليبين لهم أن النصر من عنده لا بالكثرة التي لم تغن، فردهم سبحانه بالهزيمة إلى الأمر الذي غاب عن البعض، ذلك الأمر هو {وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} .
ومثل هذا قوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ إِلا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إِلا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي
(1) - الحديث متفق عليه.
(2) - رواه أبو نعيم في الحلية بسند صحيح وصححه ابن حبان والحاكم
(3) - متفق عليه. عليه عن أنس
(4) - فتح الباري 10/ 415 ـ 416
(5) - سورة الصف، الآية: 13
(6) - سورة النساء، الآية: 100
(7) - سورة التوبة، الآيتان: 120 ـ 121
(8) - رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو.
(9) - أينعت أي: نضجت، يهذبها أي: يقطفها، وهذه استعارة لِمَا فتح الله تعالى عليهم من الدنيا وتَمَكَّنوا فيها. وقد سبق شرح حديث عبد الله بن عمرو وحديث خباب، وهما نصان واضحان في إفادة المراد.
(10) - متفق عليه.
(11) - سورة آل عمران، الآية: 126 وسورة الأنفال، الآية: 10
(12) - سورة التوبة، الآيتان: 25 ـ 26