فهرس الكتاب

الصفحة 364 من 403

الثالث: الجدوى العسكرية، فلا يجوز الإقدام على القتال إلا بعد دراسة الجدوى العسكرية منه، إذ المقصد الأصلي للجهاد هو إظهار الدين، وقد يكون العمل العسكري فرعيا وجدواه قليلة إلا أنه يصب في الخطة العسكرية العامة، كالسرايا التي يبعثها أمير الجيش وقد تكون الجدوى سياسية محضة كإرهاب العدو وهذا كله مُعْتَبر. والمرجع في تقدير الجدوى من القتال هو الأمير وليس هذا لعموم الجند لما سبق تقريره ـ في مسألة الشورى وفي مسألة وحدة الجماعة وسيأتي في الباب الخامس ـ من أن الأمور الاجتهادية متروكة لتقدير الأمير. وقال صلى الله عليه وسلم: «إنما الإمام جُنَّة يُقَاتَل من ورائه ويُتَّقَى به» [1] ، وقال ابن قدامة: [وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك] [2] .

الرابع: الأخذ بإجراءات السلامة والأمن، وقد يكون هذا بتشديد الحراسة على الأهداف والجند، وقد يكون باستخدام الأساليب الخداعية، وقد يكون كذلك بالأخذ بإجراءات السلامة الشخصية كلبس الدروع والخُوَذ وحفر الخنادق ونحوه كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لبس الدرع والخوذة (المِغْفَر) وحفر الخندق مع كونه معصوما من إيذاء الناس، قال تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ} [3] ، فهو إنما فعل هذا تشريعا لنا، وإذا كان القتل والجراح بقدر الله تعالى فالواجب دفع هذا القدر بالأسباب المشروعة والتي هي من قدر الله تعالى أيضا، لا الاستسلام للقتل والجراح، وإلا لزم قائل هذا القول أن يستسلم للعدو الكافر أيضا فهذا العدو من قدر الله تعالى، فالواجب هو الدفع.

وفي هذه القاعدة (قاعدة دفع القدر بالقدر) يقول ابن القيم رحمه الله:[قال الشيخ العرق القدوة عبد القادر الجيلاني:"الناس إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسَكوا، إلا أنا فانتفخت لي فيه رَوْزَنَة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والرجل من يكون منازعا للقدر، لا من يكون مستسلما مع القدر". ولا تتم مصالح العباد في معاشهم إلا بدفع الأقدار بعضها ببعض فكيف في معادهم؟

والله تعالى أمر أن تُدفع السيئة ـ وهي من قدره ـ بالحسنة ـ وهي من قدره ـ وكذلك الجوع من قدره. وأمر بدفعه بالأكل الذي هو من قدره. ولو استسلم العبد لقَدَر الجوع، مع قدرته على دفعه بقَدَر الأكل، حتى مات: مات عاصيا. وكذلك البرد والحر والعطش. كلها من أقداره. وأمر بدفعها بأقدار تضادها. والدافِع والمدفوع والدفع من قدره.

وقد أفصح النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى كل الإفصاح، إذا قالوا يا رسول الله، أرأيت أدوية نتداوى بها، ورُقى نسترقى بها، وتُقى نتقى بها. هل تردّ من قدر الله شيئا؟ قال: «هي من قَدَرِ الله» .

وفي الحديث الآخر: «إن الدعاء والبلاء لَيَعْتَلِجَان بين السماء والأرض» . وإذا طَرَقَ العدو من الكفار بلد الإسلام طرقوه بقدر الله. أفَيَحِلُّ للمسلمين الإستسلام للقدر، وترك دفعه بقدر مثله. وهو الجهاد الذي يدفعون به قدر الله بقدره؟] [4] . وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلاما مثل هذا مُعلِقا على قول الشيخ عبد القادر الجيلاني أيضا [5] .

قلت: قلت دفع القدر بالقدر قاعدة مقررة شرعا، مستقرة عند المسلمين من لدن الصحابة رضي الله عنهم، يدل على هذا رد عمر بن الخطاب على أبي عبيدة رضي الله عنهما، وذلك عندما قَدِم عمرُ الشامَ فوجد الطاعون قد وقع بها، فاستشار عمر الناس، ثم عزم على الرجوع ثم أخبره عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بمثل هذا، وذلك فيما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما وفيه (فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه. فقال أبو عبيدة الجراح: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله) [6] .

قلت: فهذه الشروط الأربعة (المشروعية ـ الراية ـ الجدوى العسكرية ـ إجراءات السلامة والأمن) إذا أخَذْتَ بها وراعَيْتَها في القتال فأقدم وتوكل على الله تعالى، ولا تعبأ بما أصابك ولا بما تجنيه من هذا القتال، فهذا متروك لله تعالى.

ثالثا: آفة الجبن.

على نقيض ما سبق تجد أن داء الجبن والوهن (حب الدنيا وكراهة الموت) داء عضال يؤدي إلى تداعي الأمم على المسلمين كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، كما في حديث ثوبان، وعلاج هذا الداء يكون بنبذ الترف كما أشرت إليه من قبل ويكون أساسا بترسيخ عقيدة الإيمان بالقدر بأن يعلم المسلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، فالأجل محدد سلفا، والرزق كذلك، وكل ما يصيب العبد مقدر عند الله.

قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [7] ، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا} [8] ، وقال تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} [9] ، وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قَالَ إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَة ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيه الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ

(1) - رواه مسلم.

(2) - المغني والشرح الكبير 10/ 373

(3) - سورة الماءدة، الآية: 67

(4) - مدارج السالكين ج 1 ص: 199 ـ 200

(5) - انظر مجموع الفتاوى ج 2 ص 458

(6) - الحديث: 5729

(7) - سورة الحديد، الآيتان: 22 ـ 23

(8) - سورة آل عمران، الآية: 145

(9) - سورة الأعراف، الآية: 34

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت