فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 403

ابن رواحة فأصيب ـ وعيناه تَذْرِفان ـ حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم). قال ابن حجر: [اختلف أهل النقل في المراد بقوله"حتى فتح الله عليهم"ـ إلى قوله ـ قال العماد بن كثير: يمكن الجمع بأن خالدا لما حاز المسلمين وبات ثم أصبح وقد غَيَّر هيئة العسكر كما تقدم، وتوهم العدو أنهم قد جاء لهم مدد، حمل عليهم خالد حينئذ فولوا فلم يتبعهم، ورأى الرجوع بالمسلمين هي الغنيمة الكبرى] أ هـ [1] . قلت: فهذا يبين أن المحافظة على المسلمين والقوة الإسلامية مقصد معتبر، ويجب عدم تعريض المسلمين للهلاك دون جدوى عسكرية من تحقيق نكاية في العدو. على أنه تستثنى من هذا عدة أمور منها جواز تعرض الفرد للشهادة ولا يُعَد هذا من إلقاء النفس إلى التهلكة، كما في حديثَي أبي أيوب والبراء الواردين في تفسير قوله تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ، وهذا إن جاز للفرد كان الهلاك متحققا في الثَّبات للعدو وفي الفرار منه، فالأَوْلَى الثبات. [2]

ومن الناحية العملية يمكنني القول بأن المسلم أن يُقْدم على المشاركة في أي عمل قتالي بغَضّ النظر عما يصيبه في نفسه، وبغَضّ النظر عن نتيجة هذا العمل القتالي بشروط أربعة، وهي:

الأول: المشروعية: وهي معرفة حكم هذا الجهاد هل هو مشروع واجب أم لا؟ ويكون ذلك أساسا بمعرفة حال العدو وحكم الله تعالى فيه؟ وسوف أذكر في الملحق الثالث إن شاء الله تعالى أن هذا من العلم الواجب على الفرد المسلم.

الثاني: الراية: لا يكفي أن يكون عدوك كافرا مستحقا للقتال، بل يجب عليك إذا كنت ستقاتل هذا العدو مع طائفة أن تعرف راية هذه الطائفة وهويتها، هل الراية إسلامية أم لا؟ وإذا قلنا إسلامية نقصد إسلامية خالصة غير مختلطة بكفر كالاشتراكية أو الديمقراطية أو غيرها من المذاهب الكفرية، فإذا كان أصحاب الراية يقولون إنهم يعملون من أجل إقامة نظام إسلامي إشتراكي أو إسلامي ديمقراطي فهذا كله كفر لأن الإسلام نظام مكتمل، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [3] ، فالإسلام ليس بحاجة إلى هذه الأوضاع البشرية، وكل من خَلَط الإسلام بالأوضاع البشرية فهو يقول بلسان الحال ـ وقد يصرح بالمقال ـ إن الإسلام ناقص ونحن نكمله بهذه النظم البشرية، وكل هذا كفر كما سبق في أصول الإعتصام بالكتاب والسنة، ووجه كفره أنه تكذيب بقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} .

فمثل هذه الرايات المٌخَلَّطة لا يجوز القتال تحتها بحال، لأنك في حقيقة الأمر تنصر راية كفرية وليست من سبيل الله في شيء، قال صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» [4] .

(1) - فتح الباري 7/ 513 ـ 514

(2) - انظر المغني والشرح الكبير 10/ 553 - 554.

(3) - سورة المائدة. الآية 3.

(4) - متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت