? قول الله تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [1] ، فأمر سبحانه بالقتال لكف بأس الكافرين، وأمر سبحانه في آيات أخر بكف فتنة الكافرين {حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [2] ، وأمر سبحانه بالنكاية في الكافرين {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} [3] ، وجعل سبحانه الغاية من الجهاد إظهار دينه الحق، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [4] ، وجعل سبحانه القتال وسيلة لإظهار الدين كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [5] .
فالمقصد الأصلي من الجهاد هو إظهار الدين لا مجرد الإستشهاد، والغرض من هذا كبح جماح التَّهَوُّر عند بعض المسلمين ورَدِّهم إلى المنزلة الوسطى وهي الشجاعة التي هي وسط بين التهور والجبن، والتهور الذي أشير إليه هو التعرض للقتل لمجرد الإستشهاد دون النظر إلى ما توقعه بعدوك ـ وهذا وإن جاز في مواطن كمن أحيط به وخشي الأسر فقاتل حتى قتل كما في سرية عاصم بن ثابت [6] ، ولكن ليس هذا هو الأصل ـ ولو كانت الشهادة هي المقصد الأصلي لما جاز الفرار من أجل التحيُّز إلى فئة أو التَّحَرُّف للقتال، قال تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَاوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [7] ، فيُعْلَم بهذا أن المقصد الأصلي هو إظهار الدين والنكاية في العدو.
ومن المقاصد المعتبرة أيضا في الجهاد المحافظة على القوة الإسلامية وعدم تعريض المسلمين للهلاك دون جدوى عسكرية، ومن أجل هذا جاز للمسلم الفرار من ثلاثة كفار فما فوق، كما قال ابن عباس (من فَرَّ من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فما فر) [8] .
وفي رسالة عمر إلى سعد رضي الله عنهما قال: (ولا تبعثن طليعة ولا سرية في وجه في وجه تتخوف غلبة أو ضَيْعة أو نكاية) . كل هذا يفيد أن المحافظة على القوة الإسلامية مقصد معتبر، وأوضح من هذا في بيان المراد انسحاب خالد بن الوليد بالجيش في غزوة حتى سَمَّى النبي صلى الله عليه وسلم فعْلَه هذا فتحا، وذلك فيما رواه البخاري عن أنس قال: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ
(1) - سورة النساء، الآية: 84
(2) - سورة الأنفال، الآية: 39
(3) - سورة التوبة، الآية: 14
(4) - سورة التوبة، الآية: 33
(5) - سورة الآنفال، الآية: 39
(6) - المغني والشرح الكبير ج 10 ص 553
(7) - سورة الأنفال، الآية: 16
(8) - أخرجه البيهقي وصححه الألباني (إرواء الغليل 5/ 28) .