? ومن ذلك أيضا هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة كانت سرية قال تعالى: {إِلا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [1] ، وقال أبو بكر - رضي الله عنه: (قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما) [2] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسراقة بن مالك حين تَبِعَهم: «إخف عنا» [3] .
? ومن السرية أيضا ما صنع النبي صلى الله عليه وسلم مع سَرِية عبد الله بن جحش كتب له كتابا وأمره ألا يفتحه إلا بعد مسيره يومين ثم ينفذ ما فيه، وستأتي القصة في الباب الخامس إن شاء الله تعالى.
? ومن السرية في الأعمال العسكرية التجسس على العدو، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث العيون على عدوه كما بعث حذيفة إلى معسكر الأحزاب، وبعث الزبير طليعة وحده وغير ذلك مما ثبت بالأحاديث الصحيحة.
? ومن ذلك كتمان نعيم بن مسعود لإسلامه حتى أوقع بين الأحزاب وبين قريظة يوم الأحزاب [قال ابن إسحاق: إن نعيما بن مسعود أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمُرْني بما شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أنت فينا رجل واحد، فَخَذِّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة» ] [4] .
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يجوز بل قد يجب على المسلم التشبه بالمشركين في الهَدْي الطاهر كاللباس ونحوه لمثل هذه المصالح، قال رحمه الله: [ومما يوضح ذلك: أن كل ما جاء من التشبه بهم، إنما كان في صدر الهجرة، ثم نُسِخَ ذلك: لأن اليهود إذ ذاك، كانوا لا يميزون عن المسلمين لا في شعور ولا في لباس، ولا بعلامة ولا غيرها] .
ثم إنه ثبت بعد ذلك في الكتاب والسنة والإجماع، الذي كَمُل ظهوره في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، ما شرعه الله من مخالفة الكافرين ومفارقتهم في الشعار والهَدْي.
وسبب ذلك: أن المخالفة لهم لا تكون إلا مع ظهور الدين وعلوه كالجهاد وإلزامهم بالجزية والصغار. فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم تُشرع المخالفة لهم، فلما كمل الدين وظهر وعلا، شُرِع ذلك.
ومثل ذلك اليوم: لو أن المسلم بدار حرب، أو دار كفر غير حرب، لم يكن مأمورا بالمخالفة في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر، بل قد يستحب للرجل، أو يجب عليه، أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين، والإطلاع على باطن أمورهم، لإخبار المسلمين بذلك، أو دفع ضررهم عن المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد الصالحة.
(1) - سورة التوبة، الآية: 40
(2) - رواه البخاري حديث 3653
(3) - رواه البخاري 3906
(4) - البداية والنهاية 4/ 111 وفتح الباري 7/ 402