البخاري وفيه (فلقد رأيتنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف) [1] ، قال النووي: [وأما قوله ابتلينا فجعل الرجل لا يصلي إلا سرا، فلعله كان في بعض الفتن التي جرت] [2] .
قلت: وكما ترى أن إخفاء الإيمان (وهو ما نعبر عنه بالسرية) جائز وشروع خاصة حال الخوف من إيذاء الكافرين، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: [فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون] [3] .
ج = السرية في الأعمال العسكرية: قلت إن الأصل في الدعوة هو الجهر والاستثناء هو الإسرار، أما الأعمال العسكرية فعكس ذلك، الأصل فيها السرية، وكيفما أمكن إخفاء المعلومات والأسرار والتحركات فهو واجب، وهذا كله بهدف تحقيق عنصر المباغتة ومفاجأة الخصم، وهو من أهم أسباب النصر. أما أدلة السرية في الأعمال العسكرية فهي:
? ما رواه البخاري عن كعب بن مالك في قصة تخلفه عن غزوة تبوك قال: (ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا، وعدوا كثيرا، فجَلَّى للمسلمين أمورهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد) [4] . فقوله (ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى غيرها) يدل على أن الأصل في الأعمال العسكرية أن تكون سرية. ورواه أبو داود وزاد فيه (وكان يقول: الحرب خُدعة) وهذا الحديث فيه فائدة فيما يتعلق بالسرية، وهي انه يجوز للأمير أن يخرج بالجيش للغزو ومعظم الجيش لا يعلم بجهة الغزو، بدليل قول كعب (فجلى للمسلمين أمرهم فأخبرهم بوجهه الذي يريد) وذلك في غزوة تبوك دون غيرها، وقد ذكرت هذه الفائدة حتى لا يقول أحد الجنود لا أخرج للغزو حتى أعلم الجهة. وفي ا لحديث فائدة أخرى، وهي أن إخفاء المعلومات ليس عن العدو فقط بل وعن الصديق أيضا، والهدف حصر المعلومات في أضيق دائرة ومنع تسربها ما أمكن فللعدو عيون وقد يتكلم الصديق وفي الحكمة"سِرّك من دمك فانظر أين تضعه".
? ومن ذلك أيضا بيعة العقبة مع الأنصار كانت سرية [5] .
(1) - حديث 3060
(2) - صحيح مسلم بشرح النووي 2/ 179
(3) - الصارم المسلول ص: 221
(4) - الحديث: 4418
(5) - البداية والنهاية 3/ 160