قول الله تعالى: {نَذِيرًا لِلْبَشَرِ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} [1] ، فالتقدم هو متابعة النذير صلى الله عليه وسلم، والتأخر والرجعية في مخالفته.
ومنهج الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة هو الاعتصام بالكتاب والسنة، ولهذا المنهج معالم أوجزها في ثمانية أصول بأدلتها، ثم أذكر بعض ما يتفرع عنها. والمقصد من ذر هذه الأصول هو أن تأخذ بها الطائفة المجاهدة علما وعملا، وأن يتم توحيد الفهم لدى أفراد هذه الطائفة وفق هذا المنهج، عسى الله أن يمن على المسلمين بخلافة على منهاج النبوة، فإن الاعتصام بالكتاب والسنة كمنهج يؤدي وَحْدَه دون غيره إلى حفظ الدين على أصوله المستقرة التي كانت عليها جماعة الحق الأولى وهم النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم، وإذا كانت غاية الجهاد هي إظهار دين الحق {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [2] ، فكيف يٌظْهِرُ الدين من لم يعرفه حق المعرفة ويعرف ما طرأ عليه من الإفساد؟، وكيف يٌظْهِرُ الدين من لم يَقُم به علما وعملا؟ إن هذا لا يكون، وهو خلاف سنة الاستخلاف القدرية التي قررت {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ} [3] .
أما الأصول الثمانية لمنهج أهل السنة والجماعة (أصول الاعتصام بالكتاب والسنة) فهي:
1 = الأصل الأول: إن هذه الشريعة هي دين الله الحق الذي ارتضاه لخلقه إلى يوم القيامة، فهي خاتمة الشرائع لا تُنْسَخ بشريعة بعدها، كما أن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء.
أ = أما كونها الحق فمعناه أن ماعداها هو الضلال، ومن ابتغى الهدى في غيرها أضله الله، قال تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ} [4] ، وقال تعالى: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [5] ، وقال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [6] .
ب = وهي شريعة الخالق جل وعلا، وهو أعلم بمصالح خلقه في الدارين، قال تعالى: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [7] ، وقال تعالى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [8] ، وهي شريعة أحكم الحاكمين: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} [9] ، وهي شريعة أرحم الراحمين: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [10] ، وهي شريعة العليم القدير: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [11] ، فلهذا لا ينبغي أن يكون التشريع إلا له سبحانه، قال تعالى: {إِنْ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ} [12] ، وهذا هو توحيد الربوبية.
ولكونه جل وعلا أعلم بمصالح خلقه، فإن شريعته مبنية على اعتبار مصالحهم وخيرهم في الدارين الدنيا والآخرة، بخلاف المناهج البشرية القاصرة التي لا تعتبر أمر الآخرة فلذلك لا ينبغي أن تُقَدَّم هذه الشريعة إلى الناس على أن فيها حل مشاكلهم الدنيوية كما يفعل أصحاب المناهج البشرية، بل هي تَعْتَبِر مصالحهم الأخروية والدنيوية الرجعة إليها إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة [13] ، قال تعالى: {إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلا} [14] ، وقال تعالى: {أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [15] ، وقال تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [16] ، وقال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [17] ، فالدنيا دار العمل والآخرة دار الجزاء.
ج = والخالق جل وعلا له وحده أن يُشَرِّع لخلقه، فَمَن نازعه في هذا فقد نازعه في ربوبيته وألوهيته للناس، قال تعالى: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [18] ، وقال تعالى: {إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [19] ، أما مَنْ ينازعه سبحانه في التشريع لخلقه فقد وصفهم سبحانه بالشركاء والأرباب، كما في قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ} [20] ، وقال سبحانه: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ
(1) - سورة المدثر، الآيتان: 36 ـ 37
(2) - سورة التوبة، الآية: 33
(3) - سورة النور، الآية: 55
(4) - سورة يونس، الآية: 32
(5) - سورة غافر، الآية: 20
(6) - سورة الجاثية، الآية: 18
(7) - سورة الملك، الآية: 14
(8) - سورة النحل، الآية: 17
(9) - سورة التين، الآية: 8
(10) - سورة يوسف، الآية: 64
(11) - سورة الطلاق، الآية: 12
(12) - سورة يوسف، الآيتان 40 ـ 67
(13) - (مقدمة ابن خلدون ص 191)
(14) - سورة الإنسان، الآية: 27
(15) - سورة الروم، الآيتان: 6 ـ 7
(16) - سورة الأعلى، الآيتان: 16 ـ 17
(17) - سورة آل عمران، الآية: 185
(18) - سورة الأعراف، الآية: 54
(19) - سورة يوسف، الآية: 40
(20) - سورة الشورى، الآية: 21