وروى البخاري عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ قَالَ عِمْرَانُ فَلا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلاثًا ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَخُونُونَ وَلا يُؤْتَمَنُونَ وَيَنْذُرُونَ وَلا يَفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ» .
ومنهج أهل السنة والجماعة هو منهج النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الذين هم خير هذه الأمة إلى يوم القيامة رضي الله عنهم أجمعين. وتتضح أهمية معرفة هذا المنهج ـ بل وجوب معرفته ـ إذا علمنا أن هذه الأمة اختلفت وافترقت بعد نبيها صلى الله عليه وسلم، وسلكت هذه الفرق سُبُلا على رأس كل منها شيطان زين لكل منها منهجا فاسدا في الاستنباط والاستدلال ولم يبق على منهج النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو صراط الله المستقيم إلا فرقة واحدة وهي الناجية كما في حديث الفرق السابق، ونجاة العبد وفلاحه في الدارين بمعرفة منهجها وأصوله.
قال الله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [1] ، وحديث ابن مسعود في تفسيرها [2] .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ» [3] ، فهذا نص آخر في وقوع الاختلاف وأن العصمة حينئذ في التمسك بالسنة، وأن ما عليه المختلفون هي المحدثات والبدع والضلالات وكلها من تزيين الشيطان وكيده، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [4] .
قال ابن رجب: [وقد صح عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة، وإنكم سَتُحْدِثون ويَحْدُث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالعهد الأول] [5] .
وروى البخاري عن حذيفة قال: (يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ اسْتَقِيمُوا فَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا فَإِنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلالا بَعِيدًا) [6] ، وأورد الشاطبي عن حذيفة هكذا (اتقوا الله يا معشر القراء، وخذوا طريق من كان قبلكم، فلعمري لئن تركتموه يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدًا) [7] ، وهذا الأثر فيه تكذيب لمقولة الملاحدة المعاصرين الذين يسمون الإلحاد تقدمًا ويسمون متابعة الدين رجعية، ففي أثر حذيفة: السبق وهو التقدم هو متابعة الشريعة، ومصداق هذا
(1) - سورة الأنعام، الآية: 153
(2) - (راجع تفسير ابن كثير) .
(3) - رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح عن العرباض بن سارية
(4) - سورة الزخرف، الآيتان: 36 ـ 37
(5) - (جامع العلوم والحكم ص 235)
(6) - حديث 7282
(7) - (الاعتصام للشاطبي 2/ 337)